يوميات مدير عام

يوميات مدير عام
جعفر حمزة

مراجع، فرّاش، مراسل، مسؤول، عامل قهوة والقائمة تطول.
كانت تلك الشخصيات التي تقمصها ببراعة وإتقان الفنان السوري أيمن زيدان في دوره كمدير عام في مسلسل “يوميات مدير عام”، حيث كانت تلك الوسيلة الفعالة لمعرفة الخلل في دائرته ومعالجته، والتي كانت تفيض بالفساد الإداري والمالي، بدءً من المدير المساعد وصولاً إلى ميكانيكي الدائرة.

ولم تكن جولاته كل يوم مع قضية فساد أو تسرب أو إختلاس إلا صورة مصغرة لما يجري في الشركات والوزارات والحكومات التي تعاني من الفساد الإداري والمالي، والتي تمثل همّاً عالمياً تُوليه المنظمات والدول السائرة نحو التنمية والتطور كل اهتمام.

ويمثل ميثاق الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (يونكاد) تطوراً بارزاً في هيكلية الاتفاقيات الدولية لمكافحة الفساد. حيث يذكر الميثاق بخصوص الفساد أنه “لم يعد الفساد مسألة محلية وإنما ظاهرة تتخطّى الحدود القومية وتؤثر على جميع المجتمعات والاقتصادات، جاعلة التعاون الدولي لمنعها والسيطرة عليها أمراً لازماً”.

وأما البنك الدولي فقد حدد الفساد كأكبر حاجز فردي يواجه التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ويُقاس مستوى تطور المجتمعات عبر محاربتها للفساد بنوعيه الإداري والمالي، وتسعى الحكومات لتحقيق أعلى نسب الشفافية ومكافحة الفساد، لتكون البوابة الآمنة لرفع المستوى المعيشي وجذب الاستثمارات الأجنبية.
ولم يكن تصريح ولي العهد ورئيس مجلس التنمية الاقتصادية (إي دي بي) الشيخ سلمان على خلفية ضبط الاختلاسات في كل من شركتي “ألبا” و”أسري” إلا مؤشراً على الإقدام الجاد للحد من الفساد أياً كان مصدره.
يقول ولي العهد (ثقوا تماماً يا إخوان، أن حملة مواجهة الفساد لن تستثني أحداً، وستطال يد المحاسبة والعدالة أي وزير أو مسئول في حال ثبوت تورطه في قضايا الفساد، وهذه الرؤية لن نتراجع عنها).
وبتلك الرؤية سيمكن الحديث عن رفع مرتبة البحرين في مكافحة الفساد من المرتبة 36، وتحقيق أكثر من 5.7 نقطة كما كان في مؤشر مكافحة الفساد لعام 2006.
ووجود تلك المؤشرات الدولية هي بمثابة شهادة جودة “آيزو” للحكومات في مكافحتها للفساد، والذي يعتبر بمثابة الثقب الأسود الذي يسحب كل الميزات والثروات نحو نقطة واحدة، وهي نقطة المتمصلحين والمفسدين، والأسباب التي تدعو لردم ذلك الثقب الأمور التالية:
إساءة تخصيص الموارد، خفض مستويات الاستثمار، الحد من المنافسة والفعالية، زيادة الإنفاق الحكومي، خفض الإنتاجية وتثبيط هِمّة الإبداع، خفض مستويات النمو، المساهمة في تفاقم الفقر وعدم المساواة، تُقويض حكم القانون، زيادة عدم الاستقرار السياسي، المساهمة في رفع مستويات الجريمة العالية.(1)
مع ملاحظة كل تلك الأسباب سيكون الحديث عن معالجة الفساد أمراً يحتاج للكثير من الخطوات، منها على سبيل المثال لا الحصر:
أولاً: الرغبة السياسية في القضاء على الفساد.
ثانياً: وضع استراتيجيات وآليات جادة لمحاربة الفساد.
ثالثاً: رفض المجتمع المدني للفساد كوسيلة للعيش.
وتلك كانت الوصفة السنغافورية للحد من الفساد بصورة ملحوظة، ولتكون في مصاف الدول في العالم في مكافحة الفساد، حيث أنشأت سنغافورة “مكتب التحقيقات في ممارسات الفساد الذي تم إنشاؤه في 1952م.

ويمكن إيجاز دور المكتب في التالي:

- إتباع سياسات من شأنها مكافحة الفساد في الجهاز الإداري والقطاع الخاص.
- التحقيق في سوء استخدام السلطة من قبل المسئولين.
- إرسال التقارير إلي الجهات التي يتبعها المتهمون بممارسة الفساد.
- مراجعة منظومات العمل في الهيئات الحكومية المختلفة وإعادة هندستها بما يعمل على التقليل من ممارسات الفساد.
- تقديم مقترحات لمكافحة الفساد في الجهات المختلفة.
- عمل لقاءات مع المسئولين خاصة الذين يتعاملوا مع الجمهور للتأكيد على مبادئ الشرف والنزاهة ومكافحة وتجنب الفساد.
- التحقيق فيما يرد إلى المكتب من شكاوى تفيد وقوع ممارسات فساد في أي جهة.
- التحقيق في ممارسات الفساد التي قام بها مسئولين في الحكومة.(2)
وبعد العروج على التجربة السنغاقورية، يمكن الحديث عن طريقتين في التعامل مع الفساد، الأولى وهي استصدار القوانين لمكافحته، وهذا سيفضي لزيادة كبيرة في القوانين، والثانية سياسة فتح الأبواب والشفاية وحرية المعلومة، ويمكن تعزيز ذلك عن طريق إعطاء المحققين سلطات مراقبة ورصد للحكومة عن كثب لمنع الهدر، والاحتيال، وإساءة الاستخدام.
وعوداً إلى المدير العام الذي اتبع الأسلوب الثاني في معالجة الفساد المستشري في دائرته، وقد كانت له الإرادة في محاربته، حتى لدى أقرب المقربين لديه.

(1)ورقة قضايا الإصلاح الاقتصادي، العدد 0409، 22 أيلول/سبتمبر، 2004.
(٢) وزارة الدولة للتنمية الإدارية، جمهورية مصر العربية.