البسكويت أو الخبز؟!

البسكويت أو الخبز؟!
جعفر حمزة
عندما هاج الشعب الفرنسي أثناء الثورة الفرنسية وسار إلى القصر الملكي، خرجت الملكة “ماري إنطوانيت” إلى الشرفة، وقالت: لماذا هم غاضبون؟ ماذا يريدون؟، فأجابوها: يريدون أن يأكلوا ولا يجدوا خبزاً، فقالت: لماذا لا يأكلون البسكويت؟! ويبدو أنها لم تكن تدرك الوضع المعيشي فضلاً عن إنطلاق الثورة الشعبية الفرنسية، وهذه مشكلة، أو أنها كانت تدرك وكان جوابها “البسكويتي” هو إشاحة وجهها عن الواقع وبسط “نرجسيتها” في خطابها، وهذه مشكلة أكبر. تأخذ التغيرات السلبية السياسية والاجتماعية مساحتها “الثائرة” في المجتمعات البشرية، نتيجة غياب العدالة “المعيشية” وخلق “الطبقية” وتعزيزها عبر الكثير من الصور الاجتماعية، وبالتالي تآكل الطبقات المتوسطة واختلال الميزان الاجتماعي عبر “تضخم” في الطبقات الغنية و”تخمتها” و”نحافة” الطبقة الفقيرة، وبالتالي يحدث الإختلال والهزات الإجتماعية المتتالية، وذلك لإعادة المعادلة إلى وضعها الطبيعي الكوني. “ما جاع فقير إلا بما مُتّع به غني”(1) معادلة رياضية بديهية تقدم “الطرح” في الحقوق من خلال إستلاب “ألف باء” حقوق المواطن في السكن والعمل المناسب والأمان والتعبير عن الرأي، ليكون حاصل ذلك هو “الجمع” الذي تأكله طبقة تتمتع بيد طولى لا أول لها ولا آخر. ولا يُساهم في تثبيت عملية الإتزان الطبيعي في المجتمع السلطة الحاكمة فحسب، وإن كان لها النصيب الأكبر من الدور في وضع الاستراتيجيات والميزانية العامة ورفع المستوى المعيشي العام للمواطن، ومع ذلك يكون للقوى المجتمعية الأخرى دور في رفع العَوَز وتحويله إلى استثمار بشري، وذلك بلحاظ “الاقتراب” التي تتمتع به تلك القوى من القواعد الشعبية من جانب، وقدرتها على توجيه القدرة المالية لها من جانب آخر، وتلك ميزة تغيب في أكثر الأحيان ضمن الخطاب السياسي الجماهيري الحالي، ويتم تسليط كل الأضواء على السلطة، مع إغفال ترك “مصباح” واحد على الأقل يسلط الضوء على البيت الداخلي للقوى المجتمعية وقدرتها المالية والشعبية، لتحويل معادلة “الطرح” الدئمة على الطبقات الفقيرة إلى عملية “قسمة” تؤثر في الحساب العام للوطن. الإهتزازات المتتالية للقمة عيش المواطن، والمتمثلة من جانب السلطة في ثبات مستوى الرواتب وارتفاع مستوى الغلاء المعيشي، وغياب خطة النهوض بالمستوى المعيشي من جانب القوى المجتمعية السياسية المؤثرة من جانب آخر، مما يجعل المواطن يعيش في أزمة دائمة مع “الدينار والدرهم”، ولذلك تداعياته الاجتماعية والتربوية، وانعكاساته في مجال العطاء الوظيفي بصورة عامة، إذ يكون هم المواطن “تغذية” منشار الإلتزامات المالية، وبالتالي تغيب روحية العطاء والإبداع في المجمل العام، وما هو موجود أقل من الحد الأدنى بكثير. الهمّ الذي يعيشه المواطن رسمته العديد من الخطب الرسمية “البسكويتية” والتي تقدم مرئياتها “الوردية” بعيداً عن واقعية مستوى معيشة المواطن، من خلال إعلامه، خطبه، خططه في الجوانب المعيشية بمجملها، مما يرفع من المستوى المعيشي للمواطن “صورة” لا واقعاً، وعبر خطاب “مكانك سر” في كثير من الملفات الساخنة اليومية، من توظيف وكهرباء وماء واحترام صوته السياسي والأمني، وغيرها من خطابات “البسكويت” الموزعة، في حين يبحث المواطن عن “خبز” يأمل أن لا يرتفع سعره هو الآخر. وفي قبال ذلك تتوجه خطب العديد من القوى المجتمعية “النارية”، لتزيد على حرارة المواطن حرارة، بدلاً من أن تقدم له سنداً عملياً وحلاً واقعياً لا يتعارض مع تقديم رؤيتها وأجندتها السياسية. حيث يكون وقودها “حرارة الناس” من المستوى المعيشي، في حين يمكن موازنة الخطاب وتقديم خططاً عملية وذات مردود ملموس للمواطن، عبر استثمارات داخلية وتدوير القروض الذكية من خلال مؤسسات وشركات تديرها القوى المجتمعية. ومن خلال خطاب حكومي يبتعد عن “الوردية” وخطاب شعبي يبتعد عن “السوداوية”، من حق المواطن العيش بكرامة اقتصادية دون الإستخفاف به بـ”البسكويت” ولا استغلاله لحاجته للـ”الخبز”. ومن الجدير بالذكر أن “ملكة البسكويت” كانت نهايتها مأساوية، فقد أعدمت الملكة “ماري أنطوانيت” عام 1793م. بعد أن اقتيدت بعربة مكشوفة دارت بها شوارع العاصمة باريس، ليرميها الناس بكل ما يقع تحت أيديهم، ثم قاموا بعد ذلك بقص شعرها الطويل ليضعوا رأسها في المقصلة وينفصل عن جسدها.

(1) نهج البلاغة، الإمام علي بن أبي طالب (ع).