مغناطيس الطائفية

مغناطيس الطائفية، وخيار التفتيت!
جعفر حمزة

“أنا شيعي، وأنت سني، ما الفرق؟”، يقدم سؤال “الفرق” هذا نتيجة طبيعية لتركيبة المجتمع، من خلال “فسيفسائه” المتوقع والمنطلق من معادلة كونية ثابتة لا تتغير، “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”، وبهذا النداء السماوي يفهم الإسلام معنى الإختلاف المتوقع والخاضع للفهم البشري الناقص، والتي تحركه وتُصيغه عوامل عدة، ويبقى المشترك في الحركة هو “الإقتراب” لا بمعنى الذوبان وهو ما لا يمكن تحقيقه، ولكن بمعنى “الإنفتاح” على الآخر في الفهم والسلوك والمفهوم “لتعارفوا”، ليكون المقياس في العمل هو الفيصل في الحكم “أتقاكم”. فالمجتمع مكون من جماعات مصالح أو انتماء أو اعتقاد. ومن الطبيعي أن يشعر كل فرد بتعاطف أكبر مع الأفراد الذين يشاركونه المصلحة أو العقيدة أو الثقافة أو الموقع الاجتماعي الذي يحتله. (1) وتمثل “الطائفة” أجلى صور “التجمع” و”الجذب” المستند على مشتركات دينية وفكرية وثقافية وسلوكية معينة، ولها طابع خاص يميزها عن بقية المدارس الفكرية الأخرى، وتكون بمثابة “المجتمعات المسيّجة” التي تخف أو تشتد عقبات الدخول إليها اعتماداً على “إنفتاحها” و”تقبلها” للآخر، لتكون أرقى مستويات الطائفة عندما تتحول إلى المفهوم القرآني “قل ادعو إلى ربك بالحكمة والموعظة الحسنة” أي بالمنطق وأسلوب التقديم. والطوائف أمر طبيعي لا بد منه، وهو ناتج عن اختلاف الفهم البشري للنصوص المقدسة السماوية، فبالرغم من “وحدوية” الرسالة المسيحية إلا أن وجود المذاهب المسيحية تعكس “النوافذ” التي تم فتحها لفهم المسيحية، والأمر سيان في الرسالة الإسلامية، فالنوافذ وصلت إلى 72 “ستفترق أمتي إلى 72 فرقة”، وأكبر نافذتين ماثلتين للعيان في العالم الإسلامي الآن، هي نافذتي الشيعة والسنة. فهل من اللازم “تكسير” نوافذ الآخرين، لتتم مشاهدة الإسلام عبر نافذتك فقط؟ أو هل من الضروري أن تفقأ إحدى عينيك لترى بعين واحدة وكفى؟! وجود الطائفية كواقع ممارس أمر لا بد منه ولا خوف منها، ما دامت تعكس التنوع والإختلاف الإنساني، وهي –أي الطائفية- بمثابة حقول مغناطيسية تجذب أتباعها كبرادة الحديد، ويزداد اتباعها كلما زادت قوتها الجاذبة، ووجود تلك الحقول المغناطيسية في المجتمع لا تشكل خطراً مادامت مساحتها تنحصر في الميدان الاجتماعي كممارسة ديمقراطية للشعائر والإنتماء الفكري، وينتقل التعامل مع “الطائفية” من خطاب “الواقع” الذي لا بد منه إلى خطاب “التصدي” لها والذي لا مناص للمجتمع أو الدولة إلا القيام بتلك الخطوة، في حال تداخل “الحقول المغناطيسية” واقترابها من بعضها البعض وخصوصاً إذا كان نمط الخطاب تنفيري، فإن النتيجة المتوقعة لتقريب قطبين سالبين أو موجبين هو “التنافر” لا محالة. ومن تلك المعادلة المتوقعة، دعا الإسلام إلى “الإنجذاب” إلى مغناطيس مشترك للابتعاد عن كل من شأنه أن يشوه الإسلام فهماً وسلوكاُ وفكراً من خلال “واعتصموا بحبل الله جميعاُ ولا تفرقوا”. ولا تشكل الطائفية خطراً على المجتمع إلا إذا تحولت إلى أداة “إقصائية” للأطراف الأخرى في الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، حيث يتحول المجتمع حينئذ إلى “كانتونات” لا يمكنك دخولها إلا عبر “كلمة سر” و”صك غفران”. ويذكر المفكر العربي “برهان غليون” بخصوص إسقاط الطائفية وغلبة مصلحة طائفة دون أخرى على السلطة “الدولة” بالقول: (استخدام الولاء الطائفي للإلتفاف على قانون المساواة وتكافؤ الفرص الذي يشكل قاعدة الرابطة الوطنية الأولى، وبالتالي لتقديم هذا الولاء على الولاء للدولة والقانون. وتحويل الدولة والسلطة العمومية من إطار لتوليد إرادة عامة ومصلحة كلية، إلى أداة لتحقيق مصالح خاصة وجزئية. إنها تشكل ما يشبه الاختطاف للسلطة السياسية التي هي أداة تكوين العمومية لأهداف خصوصية. إن الطائفية تنشأ عندما تنقل إحدى هذه الجماعات هذا التضامن والتكافل إلى مستوى الدولة).(2) وبعبارة أخرى يتم دق ناقوس الخطر عندما يتم إنتقال مغناطيس الطائفية في المجتمع ومكانه أمر طبيعي إلى ساحة الدولة ومؤسساتها، حيث تتحول الطائفية حينئذ إلى أداة جذب كبيرة لمنتسبيها، وخصوصاً مع وجود أدوات قوة ومتمكنة من خلال وجودها في تلك المؤسسات؛ وبالتالي تكون النتيجة سقوط عناوبن المساواة والعدالة والكفاءة والموضوعية والمنافسة النزيهة، لتتحول الدولة إلى مركز سلطة ذات لون واحد لا أكثر. وبالتالي ينحرف مفهوم الدولة بذلك عن كونها سلطة عامة تضمن وحدة نسيج المجتمع باختلاف طبقاته وطوائفه، إلى “شركة خاصة” تضمن المصالح الخاصة والمنافع لفئة دون أخرى، وبالتالي تعزيز الجذب الطائفي السلبي، حيث يميل كل فرد وبشدة إلى طائفته للاستناد عليها “للاستقواء” على وضع التمييز ضدها. فهل ستبقى مغناطيس الطائفية الطبيعية في المجتمع، أم تتعاظم وتتكاثر في مراكز السلطة السياسية والاقتصادية في البلد لفئة دون أخرى ليتنوع الخطاب “المنفر” ونصل إلى مرحلة تكسير الحقول المغناطيسية التي تنتهي إلى “برادة حديد” متناثرة دون هوية؟

(1) برها ن غليون، مجلة الآداب البيروتية كانون الثاني 07