كانتونات إلكترونية

:: التقنية كإيديولوجيا، أم الإيديولوجيا كتقنية؟
الجمعة, 15 يونيو, 2007

دخلت الآلة التقنية (الكمبيوتر والانترنت) المجتمع البحريني منذ العقد التسعيني. سبقت المؤسسات الأهلية المؤسسات الرسمية في استخدامها. تلقفها الشباب ونشط فيها الصبية الصغار قبل أن تدخل بوابات المدارس الحكومية. برعت الجهات الشعبية في استخدامها بشكل فاق الجهات الرسمية وتجاوزها. على خلاف المتوقع، كانت القرى سباقة على المدن في استخدام الانترنت. ساعدها على ذلك تلاصق البيوت وسهولة وصلها بشبكة واحدة لتوفير كلفتها. “في كرانة شيئان من المدينة: حب التقنية الجديدة، واهتمام غير عادي بكلّ ما هو جديد في مجال التواصل. فلما جاء الكمبيوتر الشخصي، وخدمات الانترنت تحوّلت القرية إلى شبكة عنكبوت لا يعرف أحد كيفية تداخلك أسلاك هذه الشبكة. أربعون بيتاً تديرها شبكة إلكترونية واحدة. صارت الشبكات الآن تضم بيوتاً أكثر لكنها من دون أسلاك”. [1]

نشطت الحركة الالكترونية في نهاية التسعينات، وصارت جهازاً إعلامياً شعبياً ينافس الجهاز الرسمي، كلما نشط الجهاز الاعلامي الرسمي في ممارسة لعبة الخفاء، نشط الجهاز الشعبي (التقني) في ممارسة لعبة الفضح والكشف. وكلما أظهر الجهاز الاعلامي الرسمي صورة معينة للواقع البحريني، تفنن الجهاز التقني الشعبي في إظهار الوجه الآخر من الصورة إن لم يكن أظهار عكسها تماماً.

مع الانفراج السياسي في البحرين عام 2001، برز عدداً من المجموعات الحوارية، والمنتديات الالكترونية، ثم المواقع الخاصة بالجمعيات الدينية والسياسية التي بدأت في التشكل. قرى البحرين شهدت ثورة فيما يعرف بالملتقيات والمنتديات الخاصة، صار لكل قرية ملتقاها الخاص: ملتقى كرانة، ملتقى جد الحاج، منتدى الدير، منتدى شبكة دار جليب، منتدى النويدرات، منتديات المالكية، منتدى قرية شهركان، منتدى قرية أبو قوة، منتدى قرية بوري، ملتقى عراد الثقافي، منتديات جرداب، منتديات السنابس..الخ. الملتقى وسيلة القرية للتواصل الداخلي “في القرى البحرينية كانت الناس تستعلم الأحداث عن طريق الإعلان في مسجد القرية أو مأتمها، الآن صارت المسجات الهاتفية والايميلات والملتقيات هي وسيلة نقل الأخبار وذياعها” جعفر حمزة.

§ وجه القرية

من جهة أخرى يعمل الملتقى على تعريف المجتمع بالقرية التي غالباً ما تكون مهملة من قبل أجهزة الاعلام الرسمية، وابراز وجهها الغائب للخارج. في هذه الملتقيات والمنتديات، يجري عرض أخبار القرية وأنشطتها وفعالياتها التي غالباً ما ترتبط بمناسبات دينية واجتماعية، في المواسم الدينية الخاصة مثل عاشوراء، وشهر رمضان، يجري نشر البرامج المعدة لهذه المناسبات مسبقاً، كما تقوم بعض المنتديات بتحميل بعض هذه الفعاليات وتغطيتها بشكل موجز أو مسهب حسب أهميتها بالنسبة للقائمين على الموقع أو لأهل القرية والمشتركين.

كان موقع “قرآن نت”، أول موقع الكتروني بدأ البث المباشر للفعاليات الدينية في المناسبات المختلفة، يسجل الموقع عدداً هائلاً من الزيارات في المناسبات الدينية، خلال أحد المواسم العاشورائية أشار مديره إلى أن “الموقع أستقطب أكبر عدد من زوار البث المباشر على الإنترنت، حيث ذكرت احصائيات الموقع أن اكبر عدد للزوار في ثانية واحدة بلغ 175 ألف متابع للبث المباشر، مما حدا بأصحاب الموقع إلى مضاعفة قدرات الموقع الإستيعابية” [3]

تسجل الجماعات الدينية حضوراً أكبر على الشبكة العنكبوتية، وتبدي في هذا الحضور، مهارة شعبية تفوق مهارة الدولة في كثير من الأحيان، يعود ذلك لمهارة الصبية والشباب وتمكنهم من استخدام التقنية وتشغيلها، ومعرفتهم بمهارات استخدامها وتوظيفها، الكثير من التقنيات الحديثة تلقفتها المؤسسات الشعبية وطورتها قبل أن تدخل المؤسسات الاعلامية الرسمية.

§ التقنية كإيدلوجيا

في كتابه “الانسان ذو البعد الواحد” الصادر عام 1964، يحذر ماركوز من خطر التقنية التي تسير باتجاه إخضاع الانسان والسيطرة عليه. توسع التقنية أسباب الراحة أمام الحياة، كما تسرِّع من انتاجية العمل وتحسنه. تتحدى التقنية الإنسان، وتبرهن استحالة أن يعيش مستقلاً أو منفرداً أو معزولاً عنها، تتغير الطبيعة الإنسانية والحياتية. تصير التقنية ضرورة من ضروراتها. لا يستغني الإنسان عن العيش بدونها. لذلك فهي تسيطر عليه وتخضعه لها. يسميه ماركوز بالاخضاع المكثف. إنه الخضوع للآلة ولأسياد الآلة المتحكمين بها. في هذا الـ(لا إستغناء)، تغيب حرية الفرد ويصير الخضوع واللاحرية أمراً مشرعاً. يؤكد هابرماس ذلك في كتابه “العلم والتقنية كإيدلوجيا”، ويرى أن العلم والتقنية صارا يشكلان (إيديولوجيا) جديدة، بمعنى أنهما تخضعان الإنسان وتسيطران عليه، وتجعلانه عاجزاً عن ممارسة نقده لسلطتهما، أو إعمال فكره في التحرر من هيمنتهما. في حين أنه لا يمكن التفكير في التحرير دون تثوير كل من العلم والتقنية ذاتهما.

لكن كيف يجري هذا الأمر في الحالة البحرينية؟

تمكنت الآلة التقنية من اخضاع المجتمع الديني اقتصادياً. أصبح يعتمد عليها بشكل أساس، لا يمكنه الاستغناء عنها، دخلت الآلة التقنية الجمعيات الدينية والحوزات الدينية والبيئات الدينية والبيوتات الأكثر تشدداً، لكن هل تمكنت هذه الآلة من اخضاع المجتمع الديني ثقافياً ومعرفياً؟ كيف تعاطى المجتمع الديني مع التكنولوجيا والتقنية؟ هل استفاد منها في تطوير خبراته واتصالاته وثقافته ومعرفته؟ هل استفاد من تمكنه من الآلة التقنية، في الانفتاح على الآخر (محاورته، التداخل معه، التعايش معه..الخ)، أم أنه عززمن انغلاقه في داخل وسطه رغم تطوير أدواته وأساليبه؟

§ الايدلوجيا كتقنية

يقول ماركوز “ما أحاول أن استخلصه هو أن العلم قد رسم صورة العالم. وفيه بقيت السيطره على الطبيعة مرتبطة بالسيطرة على الانسان”. إذا كانت التقنية نجحت في أن تصنع انسانا على مقاسها الخاص، كما يظن ماركوز، وافقدته أن تكون له ميزات خاصة به. فجعلت منه إنساناً مقلدا، مستهلكا، متماهيا معها. فإن المجتمع الديني كما يبدو، أكثر تحفظاً من أن يجعل من آلة تقنية، تحكمها قوة رأسمالية، أن تصوغه وفق مقاسها الفكري والثقافي. قد يسمح لهذه الآلة في ظل استحالة الانفصال عنها أو العيش خارجها، أن تصوغ إنسان المجتمع الديني وفق مقاسها التقني. لكنه لا يسمح لها بأكثر من ذلك.

دخل المجتمع الديني تقنية الآلة لكنها لم تدخله. يمكننا أن نقول أن المجتمع الديني قام باخضاع الآلة وفق مقاسه الديني، وقام بتبيئتها وتكيفها لتناسب إيديلوجيته. اخترق المجتمع الديني التقنية، وجعل من آلتها وسيلته لنشر معتقداته وللتعريف بها وللترويج لأنشطته وللتبشير بها، جعلها وسيلته التي يوصل بها نفسه وفكره للعالم، لكنه لم يمكّنها من أن تخترق ثقافته أو تمازجها بغيرها من الثقافات.
رسمت التقنية صورة شكلية للعالم، صورة متشابهة للإنسان في كل مكان، في كل بيئة وفي كل بيت وفي كل مؤسسة وفي كل جماعة، لكنها لم تستطع أن تدخل ثقافة الجماعات ولم تستطع فتحها للحوار المشترك. استفادت الجماعات المختلفة مما توفره هذه الآلة من قدرة على التحميل والتخزين والتوصيل والتقريب والاعلان والاعلام والبث والنقل والتعريف والاخبار. لكنها وظفتها في دائرتها أو ما أسماها جعفر حمزة (متخصص في شؤون الاعلام) بكانتونتها المغلقة. ” أعتقد أنا ببراعتنا في استخدام الآلة التقنية، صرنا أقرب إلى كانتونات إلكترونية مغلقة، هذا الأمرلا ينطبق فقط على الدينين والاسلاميين، بل حتى الليبراليين، إلى أي مدى ساعدتنا التقنية على أن يفهم أحدنا الآخر أو يتحاور معه؟ كأننا أمام دكان كتب عليه من الخارج (هنا الذبح إسلامي). من الطبيعي أن لا يدخل (هنا) إلا المسلمين. ودكان آخر كتب عليه (هنا يباع لحم الخنزير). من الطبيعي أن لا يدخل (هنا) إلا غير المسلمين. هكذا صار واقع أغلب مواقعنا ومنتدياتنا وغرف محادثاتنا. (هنا) تحدد فكر من هم في الداخل ومن هم في الخارج. (هنا) تحدد من يسمح له أن يكون (هنا) ومن لا يسمح له إلا أن يكون (هناك). مع المختلف الحوار حرب افتراضية وصدامات. وفي داخل الفكر الواحد ليس سوى صوت واحد وفكر واحد وعقل واحد ومعرفة واحدة“.