الحسين، غائب في الصورة

لإمام الحسين.. حاضرٌ في القلوب وغائب عن السينما العالمية

شبكة راصد الإخبارية – « تحقيق أجراه – أحمد رضي* » – 7 / 2 / 2007م – 1:53 ص
مشاهد من تمثيل «واقعة الطف الاليمة» ببلدة أم الحمام

هل تنقصنا الكفاءة والقدرة المالية لصناعة فيلم سينمائي؟!

من الملاحظ في مجتمعنا العربي والإسلامي غياب الرؤية الإستراتيجية لتجسيد التاريخ الماضي عبر الشاشة السينمائية، وذلك خلاف للقصص التاريخية والحكايات الشعبية، في الوقت الذي تقدمت فيها وسائل التكنولوجيا كمرحلة متقدمة لصناعة الصوت والصورة فنياً وتقنياً، الأمر الذي يجعلنا كعرب ومسلمين نتساءل حول سبب إخفاقنا في إبراز الصورة الحضارية لديننا الإسلامية واستعراض أهم مراحل التاريخ وشخصياته العظيمة لهذا الجيل والجيل القادم.

أحاول في هذا التحقيق الموجز مناقشة فكرة تقديم تجربة النهضة الحسينية بأبعادها المأساوية والإنسانية عبر شاشة السينما العالمية، ومحاولة التعرف على إمكانية تقديم نص إسلامي برؤية معتدلة، واستعراض أهم المعوقات التي تعيق تنفيذ هذه التجربة من خلال اللقاء مع أصحاب الشأن.

قضية كربلاء في السينما:

جعفر حمزة

يحدثنا الباحث الإعلامي «جعفر حمزة» حول بروز قضية كربلاء في السينما فيقول: «كانت قضية الإمام الحسين من أهم المواضيع التي تم طرحها في السينما العربية والإسلامية على أكثر من صعيد. فهناك بعض التجارب العربية المتمثلة عند بعض المخرجين المصريين، فضلاً عن استعداد للمخرج العراقي «قاسم حول» الذي لم تسعفه المادة والدعم لعمل ذلك الفيلم، حيث كان من المقرر إخراجه في العراق وخصوصاً في كربلاء. وأما التجربة الإيرانية فقضية الإمام الحسين فقد كانت «موتورة» بمعنى وقوفها عند تجربة فيلم «الواقعة» بصورة مباشرة، وفيلم عبدالله الأنصاري بصورة غير مباشرة. بالرغم من تجربتي مسلسل «غريب طوس» و«مريم المقدسة» الذي تم إجادة الإخراج والتمثيل فيهما على حد سواء، وبصورة عامة فإن الإمكانيات الإيرانية لإخراج فيلم عن الإمام الحسين ممكنة وقوية».

الفيلم ممكن.. والمعوقات كثيرة:

ويعتقد حمزة بأن أبرز المعوقات التي تمنع ظهور الفيلم الحسيني تتمثل في عدم تركيز الجهود على الرؤية التاريخية والإخراجية الكفيلة بإخراج الفيلم أو المسلسل بسبيل يوصل الرسالة بطريقة إبداعية ومؤثرة، فإذا كانت قصة كربلاء تثير الشجن عند قرائتها فما عساك تتخيل عند مشاهدتها. بالإضافة إلى نقص الدعم المالي، إذ أن عقلية الدعم للأفلام الرسالية لم تترسخ بعد، وهذا يستدعي توجهاً مدروساً من أصحاب الخطاب الديني الملتزم من جهة، وتقديم دراسات اجتماعية واقتصادية متخصصة من جهة أخرى.

ويرى حمزة بأن تجربة فيلم «الرسالة» للمخرج الراحل مصطفى العقاد، أثبتت قدرة الوصول إلى مساحة «مشتركة» يمكن من خلالها الإنطلاق لإنتاج فيلم تاريخي يتفق على مصادره ورؤيته التوثيقية علماء الفريقين، نظراً لمصادر الطرفين المعتبرة ولن يكون ذلك مانعاً أو حاجزاً عن الدخول في مشروع مشترك لإنتاج الفيلم.

موقف التجار والحوزات الدينية:

أما بخصوص الموقف المطلوب من قبل التجار أو الحوزات الدينية يشير حمزة إلى أن الموقف المطلوب من التجار هو توضيح الجدوى الاقتصادية في حال تبني المشروع والقيام به، وتبيان الأهمية الدينية كمصداق لدعم القضية الحسينية وإحياء الشعائر. أما بالنسبة لموقف الحوزات الدينية، فالمطلوب هو العمل على البحث من النواحي الشرعية للأمور المتعلقة بشؤون السينما والفن، ونشره للمهتمين، وإقامة ندوات مفتوحة لمناقشة مثل هذه المشاريع أو إقامة ندوات متخصصة تجمع بين التجار وعلماء الدين وأولي الاختصاص تحت مظلة واحدة.

بين آيران.. وهوليوود الأمريكية:

ويؤكد حمزة بأن إيران قد قطعت في المجال السينمائي عموماً وفي الأفلام الدينية خصوصاً مسافة مميزة على المستويين الإقليمي والعالمي، ويعتقد بأن التفكير في القيام بفيلم أو مسلسل عن الإمام الحسين ينبغي علينا الاستعانة أيضاً بالسوريين، لوجود الخبرة الكافية في مثل هذه الأعمال التاريخية، فضلاً عن لغتهم العربية المميزة، والتي ستعطي رصيداً للفيلم عوضاً عن دبلجته إلى العربية.

وحول إمكانية التعاون مع الدول الأجنبية أو شركة هوليوود مثلاً لصناعة فيلم إسلامي يرى حمزة أن إمكانية التعاون واردة ولكن بتوفر السيولة المادية «الضخمة» والتي لا تتوفر حالياً، وإن الإنطلاقة الفعلية ستكون من خلال التجار والممولين، الذين ينبغي عليهم الإقتناع أولاً بجدوى المشروع، فضلاً عن الاستحقاق «الشرعي» للنص والإخراج والتمثيل «الممثلين».

عدم تفاعل الطائفة الشيعية:

جابر حسن

ومن جانب آخر يشاركنا الرأي الممثل «جابر حسن» قائلاً: «يمكن إيجاد نصوص متفق عليها بعد جمع المصادر الموثقة والمتفق على مصداقيتها، ومحاولة البعد عن التعرض للمسائل التي تثير الحساسيات الطائفية ومحاولة سد الثغرات التي يمكن أن يستغلها العدو في الخدش أو التعرض للقضية الحسينية».

ويضيف حسن بأن أهم معوقات تنفيذ فكرة صناعة فيلم كربلاء الحسين يتمثل في: «عدم وجود تفاعل أو تحمس لطرح القضية الحسينية عبر السينما من قبل أهل الطائفة الشيعية، نتيجة عدم وجود النظرة المستثمرة والمقتنعة بأهمية السينما في طرح القضية الحسينية. بالإضافة إلى عدم تفاعل السينما العالمية والمهتمين بها بالقضايا الدينية المسلمة، مع تزايد الشعور بالنقص والتحجيم عند المسلمين في الجانب الفني والسينما بالذات، ووجود كثير من المحظورات المبالغ فيه والتي تمنع من طرح القضية على السينما».

أهمية خلق كوادر فنية:

وحول كيفية خلق كوادر فنية مؤهلة للعب أدوار في الفيلم الإسلامي يقول حسن: «يمكن خلق تلك الكوادر بالتدريب وزرع الثقة وخلق روح التنافس ودراسة كل النقاط المهمة والممكنة لتأهيل الممثلين بل كل طاقم العمل السينمائي والمشارك في القضايا الدينية والقضية الحسينية بالذات».

وحول مسألة التعاون مع دول أجنبية أو شركة هوليوود يقول حسن: «يمكن التعاون معهم في تأهيل الكوادر والاستفادة من الإمكانيات الفنية الموجودة لديهم وهي ليس متوفرة في الدول العربية أو الدول الإسلامية، فقضية الحسين يجب إبرازها بقوة حتى لو لجأنا الى الأجنبي، ولكن بحيث لا يترك الأجنبي بصمته على العمل ويكون النتاج من صنع الأيادي المسلمة الشيعية الملتزمة».

ضرورة اتفاق أهل الطوائف والمؤرخين:

حبيب حيدر

ويشاركنا الشاعر حبيب حيدر «ناقد وكاتب مسرحي» الحوار قائلاً: «لم أتتبع بشكل دقيق حضور قضية الإمام الحسين في الساحة السينمائية، ولكن هناك بعض الأعمال التي جسدت القضية بشكل مباشر أو غير مباشر مثلاً كفيلم تسجيلي أو توثيقي أو كفيلم يستلهم الظاهرة بشكل إبداعي، وتحضرني هنا بعض التجارب كالآفلام الإيرانية التي شاعت في الفترة الأخيرة. وأهم المعوقات برأيي تتمثل في تخوف البعض من المساس بالحالة المقدسة لبعض الشخصيات كالنبي والأئمة ، وأيضاً العائق المالي، والخوف من الدخول في التفاصيل التاريخية لفترة من الفترات الحاسمة التي بطبيعتها تفجر الكثير من القضايا».

اختلاف الرؤى في قراءة التاريخ:

وبخصوص إمكانية وجود نصوص إسلامية متفق عليها أدبياً وتاريخياً لتقديم مأساة كربلاء بصورة ترضيّ جميع الطوائف الإسلامية يجيب حيدر: «هذا السؤال يفترض حالة مثالية نأمل الوصول إليها، بينما دونها الكثير من التفاصيل التاريخية التي يعتمدها أهل الطوائف والمؤرخين على اختلاف مشاربهم. وأن كنت لا أبحث أبداً عن نص واحد للحادثة، فلكل حدث تاريخي الزاوية التي يمكن للمؤرخ أن يرصدها برؤية خاصة. كما أنه لكل عدسة مخرج يسلط عدسته على الحدث الذي يريد تقديمه وصياغة رؤيته من خلاله، فاختلاف الرؤى في الأحداث التاريخية كفيل بتوليد أفلام ونصوص متعددة للحدث الواحد».

ويختم حيدر قوله بخصوص التعاون مع الدول الأجنبية أو شركة هوليوود لصناعة فيلم إسلامي قائلاً: «ليس هذا صعباً إذا توفرت إرادة قوية بهذا الاتجاه، فسوف تتيح السينما العالمية لنا نقل صورة من صور كربلاء، بحيث يستلهم الناس من خلالها أداة عالمية حديثة قادرة على التواصل فيما بينهم وإيصال رؤية واضحة بخصوص واقعة كربلاء. ويضيف توجد مشاريع صغيرة ينبغي نقدها وتشجيعها حتى تستطيع أن تثبت أقدامها، وتمتلك أدوات الفعل الفني والإبداعي لترتقي في مجال تقديم الصورة الفنية والإبداعية لشخصية الإمام الحسين ».

السينما العربية عاجزة..!!

عبدالله يوسف

ومن جهة أخرى يطرح المخرج والمصور «عبدالله يوسف» رؤية مغايرة لما سبق بالقول: «لم تتمكن التجربة السينمائية العربية بكل ما قدمته في تاريخها من تحقيق وتكريس الجدارة الصناعية المأمولة والجودة التقنية الباهرة في فن السينما، بحيث تكون مؤهلة لإنتاج فيلم مرموق عن قضية الإمام الحسين ، بينما السينما العالمية المتقدمة، تستحوذ على كل جدارة إنجاز ذلك بحرفية منقطعة النظير ومستويات بالغة الإتقان والتفوق. ولعل معوقات تحقيق ذلك -في نظري- لا تكمن في وجود المقدرة من عدمها، بل في مدى درجة الإقتناع السينمائي العربي أو العالمي، بوجاهة تلك القضية وأهميتها التاريخية، وبأهدافها الثورية وأبعادها الإستشهادية ونتائجها، وما أفرزته في التاريخ اللاحق المستمر حتى اليوم من تداعيات أدت إلى نشوء فريقين –أرادت لهما القوى المتفننة في إبتكار المكائد وتأليف المؤمرات وصياغة الضغائن- أن يكونا متضادين ضمن نسيج قطيفة إسلامية واحدة، باتت هدفاً للإختراق والتمزيق كل يوم!!

أين الأمة الحضارية لقراءة رسالة الفيلم؟!

ويضيف يوسف إذا كان الهدف من إنجاز الفيلم إعادة الحادثة الكربلائية دون محاولة إسقاط الماضي ودحر الحاضر وإبتكار المستقبل، فإن نتيجة ذلك ستكون في تقديري بمثابة «إضرام نار في الهشيم»، وتلك هي معضلة كل «المعوقات» التي تجعل عدم بزوغ بادرة تفكير في إنتاج ذلك الفيلم تذهب أدراج رياحها. لأن الفيلم السينمائي الحقيقي، غالباً ما ينطوي على رسالة إلى الأمة التي أُنتج من أجلها، لكن في مثل حالنا أين هي الأمة الحضارية الواعية القادرة أو المؤهلة فكرياً لقراءة الرسالة، وهي متجردة كل التجرد من أدران الأورام الطائفية؟؟؟

أهمية وجود العقلاء.. القضية خطيرة:

وبخصوص توفر نصوص أدبية تاريخية لتقديم الفيلم يجيب يوسف قائلاً: حتى إن توفرت أو وجدت نصوص متفق عليها أدبياً وتاريخياً تتناول مأساة كربلاء بصورة ترضي جميع الطوائف الإسلامية، وإعتمدت لإنجاز مثل ذلك الفيلم، كيف يمكن ضمان توفر عدد وافر جداً جداً من العقلاء المتفكرين في الفريقين المتضادين يقبلون التعاطي والتوافق والتعاضد والإختلاف الحضاري المبدع مع كل مخرجات فيلم سينمائي جريء يرصد في مشاهده المتعددة ما سبق قضية كربلاء ثم الواقعة ذاتها وبعدها النتائج التي إنتهت إليها وصولاً إلى الأوضاع والأحوال التاريخية المستجدة التي بدأت منها، في يوم غابر من تاريخ العرب والمسلمين، ولم تنتهي بعدها «إلى يومنا هذا»».

ويختم يوسف قوله بإن حادثة «كربلاء» باتت من بدأت، قضية تاريخية مفصلية في تاريخ هذه الأمة، ووفق ما إنتهت إليه من نتائج، قد شكلت النسيج العربي والإسلامي في مدى أربعة عشر قرناً،، والطموح في إستثمارها مادة لأخطر وأهم الفنون الحضارية الإنسانية المتمثلة في الفن السينمائي، لهو طموح بالغ الإثارة، ولتحقيقه وفق بلاغة موضوعية رصينة لا بد -في رأيي- من تطهير العقول والنفوس من الأفيون الطائفي المقيت.. وحتى يتيسر لنا تحقيق ذلك، يصبح بمقدورنا مخاطبة الفن السينمائي العربي أو العالمي لإنجاز الفيلم/ القضية!