من الحرف إلى الكتاب.. سيرة برائحة الورق

فرشت كتبي للبيع أمام جامع المالكية..
من الحرف إلى الكتاب.. سيرة برائحة الورق

الوقت – جعفر حمزة:

ومن القلم كانت البداية

كانت علاقتي بالكتاب عبر الحرف، ولم يكن الحرف بالنسبة لي إلا رسماً، وهل سيكون غير ذلك لصبي لم يدخل المدرسة الابتدائية بعد؟
منافسة بيني وبين أخي الأكبر ‘’محمد رضا’’ أيّنا يرسم أو يخط الحرف بإجادة أفضل وكانت الحَكَم أختي الكبرى ‘’زهرة’’، وكان مثلي في الخط أخي الأكبر ‘’علي’’. أصبح الخط فني الأول واستمر معي إلى سنيّ الجامعة. من يعشق الحرف رسماً أو خطاً أو فناً يعشق صورته ‘’الكلمة’’. ومن يعشق الكلمة يقع في هوى ‘’بيت الكلمة’’ وهو الكتاب. حالي كحال من يعشق العطر فيعشق الزهرة ثم الروضة التي تحتضن الزهرة.
بدأت بخط وانتهيت بكتاب. لا أراها معادلة غير طبيعية أبداً. مما زاد في عشقي للحرف هو تلقّف أستاذ اللغة العربية ‘’الأستاذ عبدالظاهر’’ في مدرسة شهركان الابتدائية لي وهو مصري الجنسية، وله الفضل بعد الله، في صقل قدراتي وتذوقي الفني عبر تشجيعه لي وإمداده غير المنقطع بالنماذج والملاحظات.
لم أنس تلك الملاحظات حتى اليوم. وما زال كرَّاس اللغة العربية للصف السادس الابتدائي بحوزتي، أحتفظ بملاحظاته المكتوبة بقلمه الحبر الذي تمنيت أن أقتني واحداً مثله وأكتب به.
تطرفتُ في الخط. صرت أكتب بجميع أنواع القصب والأعواد والأشياء، بل إني كتبت بعود الثقاب وبجذع شجرة كبير على ورق، وكأنّ بي مساً من حرف، وما رأيت نفسي إلا في عالم الكتب أبحث عن الخطوط وأقرأ عنها شعر ‘’لا أفهمه’’ وتاريخاً ‘’لم أدركه’’، لكني حاولت أن أخوض غمار بحر الحرف، فانحل لساني وأنطلق منطقي وإذا بي في وسط كتب لا أريد منها سوى أن أقرأها وأغوص فيها لأقول في نفسي، ما هو الكتاب التالي الذي يجب علي قراءته؟

حين غسلت الكتاب بالماء

أرأيت الطفلة الصغيرة التي تحاكي دميتها؟ وكأن روحاً حلّ في تلك الدمية لتخاطبها الطفلة ببراءة وتتجاذب معها أطراف الحديث؟ أرأيت كيف أن الطفلة تعتني بدميتها وتحمّمها وتلبسها وتذهب بها إلى الفراش وتطعمها و..؟
لقد كانت علاقتي بالكتاب أكثر من علاقة الطفلة بدميتها، ولا وجه للمقارنة عندي، فقد تستغني الطفلة عن دميتها بدمية جديدة، وقد تذبل الدمية أو تعتق فتتركها صاحبتها من غير رجعة لها، أما الكتاب أياً كان حجمه أو عمره فهو أنا في ذاته، يعكس تجربة زمنية وفكرية مررتُ بها، وهي ليست مجرد ذكرى، بل هي صياغة عقل لا يمكنني أن أتخلص منه، حتى لو فقدته مادياً، بل كان الكتاب لي كمثل ‘’الثقب الأسود – Black Hole’’ أميل له لا تلقائياً لأني أرى فيه – في تلك الفترة العمرية – تجربة وخلاصة فكر ومجهود تم إخراجه على الورق. كنت في الصف الأول الإعدادي حين شاهدت كتاباً ملقىً وسط وحل وماء في أحد شوارع قريتي ‘’المالكية’’، وشعرت به يناديني كطير جريح يريد من ينقذه، فأخذته من أحضان الوحل واحتضنته، وسارعت إلى غسله وصب الماء عليه لعله يتنفس ويكشف لي عن وجهه الذي بلله الماء وكساه الطين، وكان للشمس نصيب من الحكاية حيث ‘’نشرته’’ على خيط الغسيل لساعة من الزمن، وطفقتُ مسرعاً إلى سطح بيتنا لأراه وأقرأه، فقد كان كتاباً في علم النفس، لم أفهم منه شيئاً لكني احتفظتُ به لعلّه يكون مرجعاً لي في يوم ما، لعلّ. وكان ذلك ديدني مع كل ما يضم حرفاً أو كلمة من قلب صحيفة أو من غلاف كتاب، أو من إعلان مجلة، فقد كانت الكلمات المكتوبة شيئاً براقاً لي لا أستطيع مقاومته البتّه.

عندما وضعت الجمرة في فمي

كنتُ كما الطفل، مختبره فمه ومختبري عيني وفهمي. الطفل يضع كل ما تطاله يداه في فمه، لأن الأخير هو محل تجربته للحكم، فإذا تذوق الطعم الحلو استساغه وأراد المزيد، وإن وضع شيئاً مراً استنفر منه ولا يريد تجربته مرة أخرى، وما يحكم فيه هي فطرته الدافعة والرافعة كما يقول الفلاسفة.
قرأت الكثير من الكتب تفاوتت من عالم الجن والقوى الخارقة وعلوم ما وراء الطبيعة، إلى الفلسفة وعلوم الروحانيات والتصوف، ومنها إلى العلوم التطبيقية كالفيزياء والكيمياء والرياضيات البحتة، ومنها إلى كتب العقيدة والفكر الإسلامي والتاريخ، ومنها إلى بحر الشعر والأدب وكتابة القصة القصيرة والخواطر. أخي الأكبر ‘’عبدالحكيم’’، كان خير معين في جلبه لأنواع مختلفة من الكتب العلمية والتثقيفية.
كنت أستعيرها على الدوام، قد كانت نهاية الابتدائية هي مرحلة ‘’الفطام’’ بالنسبة لي، فقد آن الأوان لي أن أعرف ما أريد أن أتناوله، فوقع الاختيار في تحديد هويتي بقراءتي، ولا يمكن الخوض في عالم الكتب من دون وجود ‘’مرشد’’ أو ‘’دليل’’ وقد كان ذلك لي عبر أساتذة فضلاء في مدرسة الخليل بن أحمد الإعدادية وخصوصاً الأساتذة ‘’صادق الفردان’’، ‘’عبدالله عبدالكريم’’، و’’عباس العرب’’، وقد كان حبي للكتاب يدفعني لأكتب، فلا يكفي أن تتناول الطعام إن لم تترجمه إلى حركة ونشاط، وهكذا كانت البداية والانتقال من مجرد القراءة المحضة إلى الكتابة وتمرين عضلات الفكر والقراءة على حد سواء. وقد كان هناك عهد بيني وبين الأستاذ ‘’صادق الفردان’’ في كتابة مقال بحجم ‘’A4’’ يومياً في شتى الموضوعات طيلة السنة الدراسية ليقيمها الأستاذ ويقدم ملاحظاته لي، وكنت استعين في كتابة موضوعاتي من مجلة ‘’ماجد’’ والصحف والكتب الدينية، ولم أنسَ مشهد درج الأستاذ الذي لم يسع أوراقي المتراكمة فيه ليفتح بعد عناء وتخرج كل تلك المقالات.
لقد كانت تلك التجربة بمثابة التمييز بين الطعام الصالح من غيره.
لم أعرف سبيل الفكر والتأمل والتحليل إلا بعد أن خضت تجربة وضع الجمرة في فمي والمتمثلة في مفاهيم احتضنتها كتب لم تقدّم لي سوى أن أعرف أنها لن تفيدني في علاقتي العاشقة مع المعرفة، وهكذا توقفت عن الخوض في تناول الجمر وبدأت بتناول التمر المفيد عبر كتب الشيخ مرتضى مطهري، السيدعبدالحسين دستغيب، الإمام الخميني، والسيد الصدر، فضلاً عن الكثير من كتب المؤلفين المصريين، منهم ‘’يوسف ميخائيل أسعد’’ في مجال علم النفس والتربية والشخصية. وأذكر أن أول كتاب قد تم إهدائه إليّ هو ‘’قصص الأبرار’’ للشهيد الشيخ مرتضى
مطهري. وقد كانت تجربتي التي صاغت منطقي هي عبر كتب السيدمحمد حسين فضل الله بكتيباته الصغيرة التي كنتُ أتلقفها واحداً بعد الآخر لأقول ‘’هل من مزيد؟’’.

بطني يقرأ الكتب قبلي

لم يكن عشقي ‘’المجنون’’ للكتب بخافٍ على الأهل، وقلت ‘’المجنون’’ نتيجة تراكم الكتب والقصاصات الصحافية والمجلات في مختلف الموضوعات في غرفة صغيرة ومساحة أضيق كانت مخصصة لي، حتى فاض ‘’كبتي’’ من ‘’كتبي’’، وبالتالي أصبحت القوانين صارمة من قبل والدتي التي خشيت أن جنوني بالكتب ستصرفني عن الدراسة والتركيز عليها، وبالتالي وضعت قاعدة ‘’لا كتب غير كتب المدرسة’’، ولم يكن بإمكاني وقف عشقي وتغزلي بالكتب، فلا يمكنني الصبر على ‘’طعام واحد’’ وبالتالي كان لا بد من وسيلة لإدخال الكتب إلى ‘’بيت العاشق’’، فكانت الثياب خير معين، فقد عملتُ على ‘’تهريب’’ الكتب داخل المنزل عبر إخفائها تحت ثيابي وبالقرب من بطني، لأتسلل إلى المنزل بهدوء ومن دون اضطراب لأضع الكتاب وكأنه سبيكة ذهبية بجوار السبائك الأخرى ‘’الكتب’’، وبهذا تشكلت لي ثروة لم أرد التفريط بها يوماً أبداً، ولكن.
«ليت رقاد» وكتب.. لا يتناسبان أبداً
لكل شيء ثمن، وثمن عشقي للكتب هو ضعف بصري، وكأنني أراها معادلة منصفة نوعاً ما، فالكتب تقدم لك ‘’البصيرة’’ لتأخذ منك ‘’البصر’’ أو شيئاً منه.
كنتُ أنام في غرفة تضم بعضاً من أخوتي الصغار ووالدتي التي تنام مبكراً، ولم يكن النهار كافٍ بالنسبة لي لأتغزل وأجلس مع العشيق ‘’الكتاب’’، في قبال ‘’سكون’’ الليل وكأن الكتاب خُلق ليُقرأ ليلاً، ربما، ألم تنزل ‘’اقرأ’’ ليلاً؟؟
وبالتالي كان لا بد من محادثة ‘’المعشوق’’ ليلاً، ولم يكن بإمكاني الخروج من الغرفة والقراءة في جو ‘’لظى’’ ليالي الصيف أو في ‘’زمهرير’’ ليالي الشتاء، لذا سلمتُ أمري لأقرأ الكتب تحت إضاءة ‘’ليت الرقاد’’ أو ما نسميه ‘’مصباح النوم’’، وكانت قراءتي تمتد لساعتين أو أكثر وكانت نتيجة ذلك العشق ضعف بصري. وأعددتُ نفسي المسؤول عن شراء ‘’ليت الرقاد’’، وعرفتُ أنواعها وميزاتها وقوتها، فقد كنتُ أقرأ كل شيء مكتوب، وبالتالي كان الأمر سهلاً عليّ. وتطورتُ قليلاً بعد فترة حين اشتريت مصباحاً للمكتب وأضعه تحت غطاء السرير وأناجي الكتاب الذي بين يديّ.

استنساخ لا بد منه.. ونمو طبيعي لعضلات الكتابة

لم تكن لي القدرة المالية لأشبع نهمي في القراءة، فكانت مكتبة المسجد الشرقي القريب من منزلنا، منهلٌ آخر لم أبخل في الرجوع إليه كلما شئت، وقد كانت فترة التسعينات بالنسبة لي هي مرحلة ذروة القراءة، حين أصبح في جعبتي مسؤوليتان اثنتان هما ‘’العَرَافَة’’ في الاحتفالات التي تُقام في القرية وخارجها في المناسبات الدينية، فضلاً عن الإخراج المسرحي لتمثيليات تاريخية واجتماعية، والثانية ‘’الإذاعة’’ العربية بطهران، فالموضوعات المتنوعة هنا وهناك أخرجتني من ساحة العشق للكتاب في ذاته إلى ساحة الحركة ومعرفة ما يدور حولي والتفاعل معه، وبالتالي أصبحت القراءة لي ‘’رسالة’’ وليست ‘’طعاماً’’ فقط. وشتان بينهما.
فقد كانت الموضوعات التي أشارك بها في إذاعة طهران متنوعة بين ثقافة واجتماع ودين، وبالتالي كانت المهمة أن أقرأ أكثر لأهضم ما أريد أقوله لأول إذاعة ساهمت في دفعي للقراءة بصورة متقدمة.
وكنت استعير الكثير من الكتب دفعة واحدة ولا أرجعها إلا بعد أن أبحر فيها، وأرجع بغنائم فكر وقصص ونكات.
إلا أن اقتناءك لكتاب يختلف عن استعارتك له، وقد دفعني ‘’حس الاحتضان’’ للكتاب ليكون بين يدي إلى نسخه، كأني أريد لروح الكتاب أن تبقى في أصابعي الناسخة، وهكذا كان، في العام 1995 قمت بنسخ كتابين كاملين ‘’تقريباً’’ في دفتر ‘’كراسة’’ مدرسي. الكتابان هما كتاب ‘’الاحتجاج’’ و’’الوصية السياسية الإلهية’’. لم أكتفِ بالقراءة حتى بدأتُ بالتأليف – أو هكذا خيِّل لي-، فبدأت بكتابة ‘’كُتيب’’ صغير بعنوان ‘’التلفاز، خطره على المجتمع’’ في العام 1993م.

هل يبيع الإنسان عمره؟

لا تسير الأمور في سبيل الأخذ على الدوام، فهناك وقت لا بد منه للعطاء والبذل، فكانت ‘’الصاعقة’’ عليّ عندما أضطررتُ إلى فرش كتبي للبيع بالقرب من جامع النبي محمد (ص) في قريتي المالكية، فقد كنتُ مضطراً لبيعها وليس الاستغناء عنها للحصول على كتب جديدة تناديني في معارض الكتاب والمكتبات.
كنت حينها في الصف الثاني الاعدادي، وكانت تلك أشد الأوقات صعوبة عليّ ولا زلتُ أتذكر حتى أسماء بعض الكتب التي بعتها.
وقت من دون قراءة أو تأمل وقت ميّت من عمرنا
يقولون إن الغربيين يستغلون أوقاتهم في أماكن الانتظار بالقراءة والإطلاع، ولم يكن ذلك بجديد عليّ، حيث لم أخلُ من كتاب أو كتيّب بين يدي ليكون صاحبي وقت انتظار حافلة المدرسة ومن بعدها الجامعة، وفي وقت الفرصة، بل حتى الآن، وأنا بانتظار دوري في صيدلية السلمانية أقرأ الكتاب، وأتذكر أني أنهيت أكثر من ثلاث كتب وكتيبات أثناء زياراتي المتعددة لمستشفى السلمانية في الأشهر الأخيرة.
‘’المعرفة هي العملة الجديدة للتقدم’’، وأي حاضن للمعرفة مثل الكتب. سيرتي مع الكتاب سيرة الحرف بداية والعشق الجنوني ثانياً، وبعدها العشق المسؤول.
عندما تعشق المعرفة ستكون مطلوباً على الدوام، إذ أن عضلات فكرك دائمة الحركة والنشاط، وفي ظل تغيرات متسارعة لا بد من وجود معرفة نشطة بين يديك، وفي كل مراحل الدراسة والعمل، كان الكتاب خير معين لي، لأنك تتحدث مع الحياة عبر تجارب وخبرات تضعها بين يديك وتحملها في جيبك أو حقيبتك، فأي نعمة هذه نغفلها؟
وكما أن الكلمة مسؤولية، فإن قراءتها أيضاً مسؤولية، ولم تنتهِ قصتي مع الكتاب.