1


هروب الدجاج
جعفر حمزة
جريدة التجارية الاسبوعية ١٤ نوفمبر ٢٠٠٧

لم يشعرن بإنتماء حقيقي للمكان الذي كنّ فيه، وكان عملهنّ اليومي والدائب هو تقديم البيض لصاحبة المزرعة الجشعة، والتي رأت أن المسألة لا تستحق عناء جمع البيض وبيعه، فقررت أن تحوّل الدجاج إلى فطائر، وكانت اللحظة الحاسمة بعد محاولات الدجاج العديدة للهروب من الحظيرة ، وذلك بمساعدة الديك”الأمريكي” الذي أتى من بعيد، ليكون “المخلّص” لهنّ من عذاباتهنّ اليومية، وانتصرنَ الدجاج على المرأة الجشعة وعشنَ في الأرض الموعودة كما تخيلوها، لا بيض كل يوم بعد اليوم!

استحضرتُ مشاهد الفيلم كشريط أخرجه الواقع المعاش، وأجد أن العنوان – وليس مضمون الفيلم- واقعي جداً كنتيجة لسيناريو نتمنى أن لا يكون أبداً، إلا أن العاقل والحكيم من يضع الأمور في نصابها الصحيح، ويضع في عين الإعتبار كل الإحتمالات الواردة ليتمكن من توليها بحنكة ودراية عندما تقع.

وما أشير إليه هنا بالسيناريو الأسود هو إحتمال وقوع الحرب في المنطقة أو المواجهة بين أمريكا والكيان الصهيوني من جهة وإيران من جهة أخرى، وخصوصاً مع تصعيد الموقف من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني.

وعوداً إلى دجاجاتنا “الثائرات” على الوضع، حيث تمكّنّ من الهروب من الحظيرة لسببين، أولهما عدم شعورهنّ بالإنتماء إلى المكان، والذي دفعهن للسبب الثاني وهو البحث عن طريقة للهروب منه، وتصاعدت الأحداث ليكون الإسراع في الهروب نتيجة إقدام صاحبة المزرعة على اتخاذ قرار “ذبح” الدجاج وتحويلهن إلى فطائر!

وتأخذ المجتمعات المعاصرة والتي تبحث عن البقاء بصورة مميزة ورائدة في عالم اليوم في البحث عن مشتركات مختلفة الزوايا لتكون معيناً حقيقياً يمكن الإعتماد عليه في حال حصول هزّة من أي نوع، سواء كانت اجتماعية، اقتصادية أو ثقافية وحتى سياسية.

ويتميز الوضع في البحرين بتداخل تناسقي غير بسيط بخلاف ما يتم تصويره، وهو واقع علينا دراسته وحلحلته بدلاً من التغطية عليه وتجميله، فالمجتمعات التي تضع الكثير من مساحيق التجميل ستزول عند أي محنة، ويسيح الماكياج ويشوه صورتها. وذلك يسبب ضياع الفرص التي يمكن نيلها، والمشكلة الأساس تكمن في مفهوم المواطنة وأثرها المعيشي على المواطن، حيث تم طرح هجرة الأدمغة البحرينية إلى الخارج في الفترة الأخيرة، وهو تحصيل حاصل ونتيجة لا يمكن لنائب أن يأخذها ببساطة ويضعها في قالب المطالبة بتشريعات للحد من تلك الهجرة دون المعرفة الحقيقية للأسباب وتبعات تلك الهجرة.

ومن ناحية أخرى تقل المساحة المخصصة للمنافسة الاقتصادية العادلة مع وجود أعداد لا يمكن الجزم بحجمها ممن حصل على الجنسية البحرينية وفق الشروط وروح الدستور من غيره، فضلاً عن شح في الموارد وزيادة عدد الأفراد في المساحة المسكونة أو المسموح بالعيش عليها.

هذه العوامل، بالإضافة إلى أثرها الاقصادي على مستوى المعيشة، تثير السؤال عن تبعات السيناريو الأسود الذي قد يحصل بإصرار أمريكي وتحمّس صهيوني لضرب إيران.
من لا يشعر بالإنتماء إلى الأرض التي يسكن عليها فما أهون عليه تركها عندما تتعرّض لخطر أو هزّة، وكما كانت الدجاجات لا يشعرن بإنتماء إلى المكان الذي كنّ فيه، وهربنّ عندما واتتهنّ الفرصة، فنخشـي أن يتكرر هروب الدجاج كما حصل إبّان الغزو العراقي الاثم على الكويت، وقد استفادت الأخيرة من التجربة بفعالية كبيرة، وضمنت عدم إيكال “الخيط والمخيط” كما يقولون للدجاج الذي يفكّر في الهروب عند أي أزمة.

لا يمكن الوثوق ببقاء الدجاج في القفص إن فتحت له الباب، فتلك فطرته وإن كان “داجناً”، وما سيسببه هروب الدجاج هو فراغ حاد في مفاصل أساسية في المجتمع في دوائره الاقتصادية، وقبلها وأهمها علاقة الثقة التي تبحث عن قاعدة عملية في المستوى المعيشي، ولا يمكن تعويض ذلك الفراغ بين عشية “أزمة حرب” وضحاها بسهولة، وخصوصاً عندما يتم “تهجير” وطيران العقول الوطنية، وتدجين الدجاج البري.
ونخشى أنّ مراكز التدفق المالية مصدراً وصرفاً تهرب مع هروب الدجاج، فهل يمكن الرهان علي دجاجات يفزعنّ عند كل ناعق وصريخ؟!

One comment on “

  1. Anonymous Nov 24, 2007 7:30 pm

    هذا هو الواقع

Comments are closed.