ألا هل من ناصر ينصرنا؟



قراءة في حركة الموقف والزمن لتلبية النداء

جعفر حمزة

هو النداء الذي أطلقه الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في واقعة الطف الكبرى سنة 61 هجرية. والتي اُستشهد فيها هو وأهل بيته وأصحابه، بعد أن وقف كالطود الشامخ في قبال موقف يزيد بن معاوية الذي لم يقترب من دائرة الإنسانية في موقعه كحاكم غير شرعي للأقطار الإسلامية فضلاً عن إسلامه قط.

ذلك النداء “الحُجّة” الذي أطلقه سبط رسول الله ليرفعه راية على رؤوس الأشهاد ممن حضر معركة الحق والباطل ليراه كل من حضر المعركة ويسمعه، لتكتمل حَلَقَة الحجج التي عرضها الإمام الحسين (عليه السلام) على المعسكر المُرسل من الخليفة غير الشرعي آنذاك يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بقيادة عمر بن سعد.
ذلك النداء في استنهاض الإنسان في كل فرد ممن سمع النداء، هو نداء العزّة لمن استجابه، وهو ما كان يرمي إليه الإمام الحسين منه، فهو لم يكُ ذليلاً قط ليستجدي نصرة الآخر من موقف الضعف، وهو القائل “والله اني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما”.
وهو على علم بما سيؤول إليه من مصير في ذلك اليوم العاشر من محرم الحرام، بقوله
“ كأني بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء”.
فإن كان يعلم الحسين بموقف كلا المعسكرين من قضية خروجه لإحقاق الحق وإزهاق الباطل ضمن عملية متسلسلة لكسر أصنام البرجوازية المتدثرة بالإسلام أسماً وبإمرة يزيد بن معاوية وبعنوان “إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي”، وهو الذي خبر وأخبر أصحابه، ويعرف موقف معسكر يزيد بن معاوية بقيادة عمر بن سعد.
فلمَ أطلق هذا النداء في صحراء كربلاء وهو في نيّف وسبعين ناصراً له لا غير في قبال جيش جرّار أقل التقادير التاريخية تعده بالثلاثين ألف رجل؟
هل كان يأمل بأن “يستميل” أو “يتأثر” من في جيش يزيد وينضموا لمعسكره؟وهو أمر مستبعد عن شخص الإمام الحسين، وإن كان كذلك فكم عدد من سيتحوّل إلى معسكره من ذلك الجيش؟
بحسب الظروف التي رسمت جو المعركة، لم يكُ ذلك الأمر وارداً بحيث يكون هناك تغيير في ميزان القوى العسكرية في المعركة، فالجيش الجرار الآتي من الكوفة وأطرافها بإمرة عمر بن سعد الطامع في مزايا تَمَلُّكٍ يطمح إليه، ذلك الجيش يعرف من سيقاتل وهو على علم بموقفه الباطل من المعركة إلا أن أولوياته في تلك اللحظة لا تأخذ الحق في الحسبان، بل كانت الدراهم والجاه لقادة وجيش يزيد هو الأهم لا غير، ولو كان على حساب قتل ابن بنت رسول الله، وهم العارفون بمنزلة من سيقاتلون، ويتضح ذلك من خلال كلامهم مع أصحاب الحسين والحسين نفسه قبل وأثناء المعركة، وبعدها في خطابهم لابن زياد حاكم الكوفة والخليفة غير الشرعي يزيد بن معاوية في الشام.
فلم إذاً رفع الإمام الحسين ذلك النداء مع لحاظ كل هذه الظروف وهو العالم بها؟
قالها من قلب يحوي الكون كله بما فيه أعدائه، وقلبه من قلب كل الأنبياء المُشفقين على قومهم الظالمين لهم والجاهلين بحقهم، فقد بكى الإمام الحسين في المعركة لا لذلة أو ضعف فيه وهو الطود الشامخ في العزة والكرامة، وعندما سُأل عن سبب بكائه، قال “إنما أبكي عليهم لأنهم سيدخلون النار بسببي”.
ذلك القلب الكوني الذي يحوي تحت قبته كل إنسان لإنسانيته من باب “الناس صنفان إما أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق”، وقد خرج المعسكر اليزيدي من ذينك البابين معاً.
فلا هم بذي ديانة لتوقفهم تعاليمه ولا بذي عروبة ليمتنعوا من الهجوم على النساء والأطفال، فقد جاء الشمر بن ذي الجوشن-وهو الذي قطع رأس الإمام الحسين- في جماعة من أصحابه وحالوا بين الإمام الحسين وبين رحله الذي فيه ثقله وعياله، فصاح الحسين فيهم: “ويلكم يا شيعة آل سفيان, إن لم يكن لكم دين, وكنتم لا تخافون يوم المعاد, فكونوا أحراراً في دنياكم [هذه]. وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون”.
ولا هم بذي روح بشرية ليرتضوا بأسر الحسين -على الأقل- وهم قادرون على ذلك وارساله لخليفتهم يزيد بن معاوية، فلم يكتفوا بقتل الحسين حتى شوّهوا جسده الشريف ومثلّوا به وقطعوا رأسه ورؤوس أصحابه-.
قالها الإمام الحسين “ألا هل من ناصر ينصرنا؟” ليستنهض روح الإنسان في تلك الأجساد المستعدة لقتاله دون وجه حق، فخرج إنسان من روح شخصية تعيش البرزخ بين الحق والباطل، بين تثاقله للأرض وارتفاعه للسماء بإنسانيته، ذلك هو الحر بين يزيد الرياحي، الذي كان قائداً مخضرماً في معكسر عمر بن سعد، وما إن سمع ذلك النداء حتى تفاعلت كيميائية الإنسان السوي فيه وخرجت باندفاعه لمعسكر الحسين تائباً عائداً لنفسه بعد “حيرته” بقوله “إني أخيّر نفسي بين الجنة والنار”.

فهل كان ذلك النداء “لحظياً” لوقت المعركة فقط؟
وانضم الحر لمعسكر الحسين؟ فهل كان الهدف الوحيد من النداء استنهاض “الإنسان” في بعض ممن هو معسكر عمر بن سعد فقط؟
ذلك النداء هو السؤال الفطري لتموضع الحق في الباطل في كل فرد.
هو السؤال الممتد من خطاب رب العالمين “ألستُ بربكم” في الآية الكريمة
“وأذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و اشهدهم علي أنفسهم ألست بربكم قالـوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين” 172 الأعراف
مروراً بخطاب الأنبياء من بينهم عيسى “ يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله، قال الحواريون نحن أنصار الله”.سورة الصف 14
وخطابات كل الأنبياء والأولياء والمصلحين المستنهضة لفطرة الإنسان، عوداً للخطاب الأزلي الذي عرضه رب الكون على كل عباده في عالم الذر “ألست بربكم؟”
والاعتراف بقولهم “بلى”. تلك الـ”بلى” هو الجواب المرتقب لنداء الحسين “ألا من ناصر ينصرنا؟”.
هو السؤال الذي يجيب عليه قول رب العالمين
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد:7)
هو سؤال نصرة الانسانية في كل مواقعها في قبال السكوت وخدلانها في أي موقع كنت فيه.
ألا من ناصر للدين في فهمه المحرّك لإحقاق الحق أينما كان؟
ألا من ناصر للمستضعفين في قضاياهم في السياسة والاقتصاد والاجتماع وفي كل ملف؟
ألا من ناصر لكل عناوين العدالة الإنسانية؟
ألا من ناصر لتحريك الإسلام المحمدي الأصيل في كل زوايا الحياة وعدم
تقطيعه وتجزيئه وخياطته كما نريد نحن؟
ألا من ناصرفي تجسيد الحق في كل زوايا حياتنا؟
ألا من ناصر؟
لكي يُثير السؤال حركة الفكر لمنع تكرار مأساة الحسين في كل موقف من حياتنا، لأن في كل موقف حق حسين وفي كل موقف باطل يزيد. ولأن كل أرض كربلاء وكل يوم عاشوراء عندما تتجسد القوتين في مقابلة بعضهما البعض.

وعند الإجابة على ذلك النداء بالتلبية، علينا توفير أدواته لنكون بحق ممن يلبونه قولاً وفعلاً، وليس كموقف أصحاب الكوفة، حيث كانت “قلوبهم” مع الحسين و”سيوفهم” عليه.
فقد كانت “الرغبة” في نصرة الحسين في القلب، إلا أن “الفعل” و”الخيال” عندهم كانت محاربة الحسين واقعاً.
وقد سرت عليهم الآية
وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم( [النمل/14]
هناك حركة بالداخل “الرغبة” إلا أن الخيال المسيطر نتيجة العُرف والجو العام يرسم لهم خطاً آخر.
وفي النظريات الحديثة يُسمى بالجهد المعكوس. ففي كتاب الدكتور جوزيف ميرفي “قوة العقل الباطن”يقول : 
” عندما تكون رغباتك وخيالك متعارضين فإن خيالك يكسب اليوم دون خلاف “

ولكي تكون “التلبية” حقيقية وفاعلة لذلك النداء السماوي عبر خطاب الصراط المستقيم بلسان الحسين، لا بد من أن يكون خيالك حاضراً بإيجابية للتغيير من أجل التلبية، فلا تكفي “الرغبة” في التلبية ، فلا يُنكر إنسان أحقية موقف الإمام الحسين (عليه السلام)، وفي ذلك ما كتبه وجهاء الكوفة في زمن الحسين.
وفيما قاله العديد من مفكري الإنسانية من الشرق والغرب عن قضية الإمام الحسين فضلاً عن فقهاء كبار المسلمين من الفريقين.
فالمعرفة دون الإرادة ووضع الخطة وتوطين النفس للتلبية لا تُوصل إلى نتيجة البتّة. فمن في جيش عمر بن سعد “يعرفون” من يقاتلون، إلا أنهم ارتضوا أن تكون “تلبيتهم” لأولوياتهم الدنيوية.

ذلك هو النداء الأبدي الذي أجابه آدم في خضوعه لنصرة الله، وعمل به هابيل وأنكره قابيل، ومن بعدهما وُلد خطان يسيران بجنب بعضهما ولا يتقاطعان أبداً، خط هابيل وهو خط جميع الأنبياء والمصلحين ونصرة الله، وخط قابيل وهو خط الظالمين وواضعي العصي في عجلة الإنسانية والتثاقل للأرض.

وتلبية نداء الحسين يستمر في كل موقف من مواقف حياتنا لإعلاء صوت الإسلام في إنسانيته وإحقاق الحق وإبطال الباطل. فتأتي التلبية ليكون الإنسان عزيزاً في كل عناوين الحياة علماً وموقفاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وفكرياً.
تلك التلبية تستلتزم استحضار القوة في كل موقف يكون فيه الإنسان من علم وتمكين في المجتمع، ليوسّع دائرة التلبية أينما حل، وليأخذ بأسباب القوة وليقص أطراف البرجوازية الجديدة التي تأخذ بتلابيب المجتمعات.

ألا من ناصر ينصرنا؟ وتكون التلبية في دعم كل موقف حق لكي لا يخذل الحق أهل كوفة جُدد.
ألا من ناصر ينصرنا؟ وتكون التلبية في “هيهات منّا الذلة” في عزة الداخل وعزة الخارج.
ألا من ناصر ينصرنا؟ وتكون التلبية بنصر كل هابيل على قابيل.
ألا من ناصر ينصرنا؟ وتكون التلبية باتباع ابراهيم وموسى وعيسى ورالثورة على كل نمرود وفرعون كل عصر.
ألا من ناصر ينصرنا؟ وتكون التلبية بالمسير على خط محمد والوقوف بوجه كل أبي لهب وغاصب للأرض والعرض.
ألا من ناصر ينصرنا؟وتكون التلبية بنصر الحسين في كل عناوين الحياة المختلفة.

نداء الحسين يكون في كل زمن وموقف، وما رفعه لذلك النداء إلا لبلوغ الموقف أعلى قمته وذروته بكل المعاني الإنسانية وصور الإسلام في واقعة الطف، ومنها كان المثل الأعلى، ومنا انطلق النداء، وما زال يتكرر في كل يوم وفي كل موقف في حياة الفرد في عمله ومواقفه الفكرية إلى المجتمع إلى الدائرة الأكبر وهي الدولة.

فبأي جواب نرد عند سماع “ألا هل من ناصر ينصرنا”؟
بتلبية أهل الكوفة بالقلب “المع” والسيف “العلى”؟
أم برد الشمر بالحرق والقتل والسبي؟
أم برد عمر بن سعد لتغليب مصلحته على القيم والمباديء؟
أم برد التوابون الجدد، بجلد الذات لا غير؟
أم برد المصلحين العاملين في كل ميدان ليكونوا الأنموذج الحسيني أينما حلّوا؟

الصورتان مأخوذتان من موقع
www.deviantart.com