“بين انتظار منتج وتفجير جسد” … كيف تتحول الحاجة إلى رغبة؟

لماذا لا نتوقف عن استهلاك منتجات جديدة وهي تؤدي نفس غرض ما بين يدينا من منتجات، لمَ لا نكتفي بما لدينا؟! 

 أليست المنتجات المتوافرة قبل سنة تفي بالـ “حاجة” Need؟! 

 ما الجديد في معجون الأسنان من قبل عام مضى إلى الآن؟ هو معجون يؤدي “الغرض” وكفى؟! 

 

 والأمر يسري على كل منتج صَغُرَ أو كَبُر. مع ذلك نظل نستهلك دون توقف، ونكون في “عقل جمعي” لاستمرار شراء منتجات جديدة بالرغم أن ما يسبقها يفي بالغرض. 

 ما القوة المحركة في هذا العقل الجمعي العام الذي يرسم له طريق “الشراء” و”الاقتناء” بصورة متكررة؟ سواء لأساسيات أو كماليات؟ 

 

 وبالمنطق فقط، فإن العمر الافتراضي للمنتج لا يسعه الإنتهاء حتى تكون قائمة الخيارات من نفس المنتج ومن نفس الهوية التجارية Brand على رفوف المتاجر وتم إعلان “النفير البصري” له عبر الإعلانات والعروض. 

 هنا يغيب المنطق، وتحضر “الرغبة Desire”، والتي تعمل عليها وسائل الإعلام عبر تثبيت “الرسائل االضمنية Subliminal Messages” التي تربط المنتج برغبة لدى الإنسان ربطاً شرطياً، فيكون الجمال مرتبطاً باستخدام هذا النوع من الشامبو مثلاً، أو ربط الإقدام والجرأة بهذا المشروب، وهكذا تتم عملية العنونة-وضع العناوين- أو ما يسمونه ب Labeling فتتمثّل الرغبات مع القيم في هيئة منتج أو خدمة للهوية التجارية.

 

 

 وأكبر عاملين مؤثرين في استمرار عملية الاستهلاك من هوية تجارية بذاتها، هما:

 

 ١. الحضور البصري المكرر أو الذكي أو كليهما للهوية التجارية، بحيث تكون جزء من جدولة النظر للفرد خلال يومه لفترة معينة. ولهذا الحضور المكثف مساحة من مخزون الذاكرة للفرد والتي يتم تقديمها بربط شرطي واضح بين المنتج أو الخدمة مع الرغبة Desire والتي يرتفع مستواها لتكون قيمة Value. وعندها يكون الارتباط أكثر والعلاقة أوطد.

 

 ٢. التجربة وحديث الناس Word of Mouth WOM وهو الداعم الأكبر إن لم يكن رقم واحد في تثبيت العلاقة بين الهوية التجارية والرغبة أو القيمة. وعند انتشار فكرة “الربط” بهاتين الكيفيتين، تتولّد قوة الإقتناء لدى الفرد وبدرجات مختلفة. عندما تريد تثبيت فكرة، عليك بربطها برغبة أو قيمة أو كليهما معاً لتكون محل اهتمام الفرد.

 

 وبالمثل هناك منتجات فكرية وسلوكية تنتجها السياسة والعلوم والدين، ويكون الفرد ضمن شبكة ربط علاقات متتالية ومتراكبة ومعقدة أيضاً، فيتم ربط “مفهوم أو عنوان” ما بفرد أو جهة، لتتولّد حينها الصورة النمطية Stereotype، وتكون بمثابة ملصق ثابت يستحضره الفرد عندما يتعامل مع الطرف “المُلصَق” عليه تلك الصورة النمطية، ويأتي السلوك الخاص بهذه الصورة تباعاً سلباً أو إيجاباً أو غيرهما. إن القدرة على ربط السلوك الفردي وفق عناوين مبرمجة أصبحت آلية جِدُّ خطيرة، يستخدمها خبراء التسويق النفسي في جعل الفرد مرتبط عاطفياً وسلوكياً بمنتج ما، فتراه ينتظر بشغف نزول “منتج” جديد على أرفف المحال التجارية، وترى تلك القوة في الربط موجودة و”مربوطة” في الذين يُقصون الآخر ويُنفونه بقتل أو تصفية أو تعدٍّ على معتقدات الآخرين، كون ذلك بمثل “قيمة عليا” ارتبطت برغبة استندت على حاجة في مثلث ماسلو “الحاجة إلى الإنتماء”! وهكذا تتسع أو تضيق مساحة “الربط”، بين مُنتظرٍ على قارعة الطريق لأجل منتج جديد، وبين مُفجِّرٍ نفسه في منتصف الطريق لأجل أن يكون “شهيد”!! 

 

 

 وما يجمعهما معاً هي القدرة في تحويل “الحاجة” عندهما إلى “رغبة”، والأخيرة هي مُحرِّك انجذابها لما يودان فعله. 

 ولإعادة أي سلوك منهما، علينا تفكيك مكوناته ودوافعه، لفصل الرغبة عن الحاجة، وتحوير الرغبة إلى سلوك جديد يمكننا صنعه وتشكيله والتنبؤ به، إذا ما أعدنا العلاقات الشرطية الأساسية من جديد. 

 

 فلو كانت الرؤوس الصلعاء هي “الموضة” وترتبط بالشجاعة أو الحكمة أو الأناقة عند الرجال، لبارَت وتضعضعت P&G، وهي مارد صناعات منتجات العناية الشخصية في العالم. ولو كانت الأحذية المسطحة دون كعب للنساء هي “الموضة” لتكسرَّت الكعوب العالية في مصانعها وما خرجت للعلن أبداً. 

 

 وما يحكم كل ذلك ويجعله يستمر؟ 

 علاقة الرضا المعلنة وغير المعلنة بين المنتج والمستهلك، فالمنتج يقدم جديده على المستهلك بألف طريقة وطريقة والأخير يتجاوب ويشتري، ولهذا فإن المنتجات من نفس الهوية التجارية لن تتوقف، ما دامت دائرة الاستهلاك متحركة، والسلوكيات والمواقف مهما كان نوعها لن تتوقف ما دامت تتغذى من معادلة تحويل الحاجة إلى رغبة. 

 

 والأمر بيد أحدهما، إما أن توقف الشركات أو الجهات اللعب بصناعة العلاقات والربط الشرطي وهذا لن يكون، فذاك مصدر دخلها وتخمتها، وإما أن يتوقف الفرد عن استهلاك ما لا داعي له ويكسر تلك الدائرة، وتكون المبادرة ورسم سياسات السلوك القادمة الاستهلاكية والمجتمعية منه هو لا من كبرى الشركات أو من مصدروا الفكر الإقصائي الأسود. 

 

 وتجارب وقضايا تغيير تلك المعادلة كثيرة في العالم، من بينها قضية بدأها مواطن أرجنتيني ضد أكبر شركات إنتاج البيض في بلاده، والمحتكرة له، وكسب التحدي وفرض معادلة جديدة يكون المستهلك فيها هو الرابح الأكبر. والأمر بين يديك، إما تكمل دورانك في هذا المسلسل، أو تعيد رسم قصته، وثمن ذلك تعب وجهد الكبيرين. فاختر!!

 

 

 

 

 

 الصورة من كتاب Buy.logy Truth and lies about why we buy By Martin Lindstorm