“أوتاكو” .. صناعة الشغف المُنتج!


جعفر حمزة


كانت تستهويني الثقافة اليابانية وما زالت، وكحال جيل الثمانينات، كانت الرسوم الكرتونية هي ما تُبهرنا وتأخذنا من مكاننا إلى عالمها، ولم يكن الزمن كفيلاً بأن يخبو أُوار نار ذلك العشق لتلك الرسوم، بحكاياتها ودقتها وعمقها وبساطتها، ومن الأمور التي شدّت انتباهي عند مشاهدتي لعدد ليس باليسير من المسلسلات أو أفلام الأنيمي اليابانية هو كمية الدقة ومراعاة التفاصيل عند عرض مشهد لدكان أو محل أو في شركة، وكيف يكون تعامل الفرد مع محيط العمل الخاص به، من ترتيب ودقة، بدء من الاهتمام بالبضاعة وصولاً إلى تغليفها وتقديمها للزبون والإنحناء له حتى يبتعد عن المحل، وليس بمجرد خروج الزبون منه!

فظننتُ الأمر مبالغاً فيه، إلا أن كثرة الشواهد في تلك المسلسلات والأفلام صنعت صورة نمطية في ذهني عززّها فعلاً ما وقعت عليه من أكثر من مصدر، بأن اليابانيون لديهم ذلك الاهتمام والدقة في القيام بأمورعملهم، حتى وإن بدا بسيطاً، من تنظيف الصفوف في المدارس، إلى بيع السكاكر في دكان صغير بقرية.

وهذا ما يسمونه بـ Gambaru 頑張る، وهو الاهتمام بإنهاء العمل وعدم التوقف حتى بلوغ غايته. وهو استمرار الجهود برغم العقبات، حتى لو لم تنجح، وهذا مفهوم مهم جداً في اليابان، بل يُعتبر جزء لا يتجزأ من ثقافتهم وهويتهم.

بذلك المفهوم يحارب اليابانيون لحظات عدم حبهم لعملهم، فليس كل ياباني محب لعمله طبعاً، لكن هذا المفهوم المتجذر في ثقافتهم، أعان على تخطّي ذلك، فالمهم أن تبذل كل ما بوسعك وباستمرار في عملك، سواء كنت رئيساً تنفيذياً أو حارس أمن. كل ما عليهم فعله هو ترجمة Gambaru في عملك. 

ولا غرو إن بدت لنا اليابان مثل كوكب له طبيعته المختلفة عن بقية الشعوب.

وهذا يمثل الحد الأدنى من علاقتهم بالعمل، وهو مراعاة الدقة والاهتمام بالتفاصيل فيه، وإن كان مسحاً للنوافذ فقط.

فكيف بنا الحال إذا تحدثنا عن مفهوم يتجاوز ذلك بكثير وهو أوتاكو Otaku オタク والذي يعني الشغف بشيء ما لدرجة الهوس، وإن كانت الكلمة مرتبطة في جذرها بالهوس الخاص بالمانجا “الرسوم الكرتونية اليابانية” وجمع متعلقاتها والتمثّل بها، وكل شيء خاص بها، إلا أن هذه الكلمة تم استخدامها أيضاً بمعناها الأعم، وخرجت من مصداقها الأول لمصاديق أخرى معنية بالهوس والشغف في العمل. بل أن الكلمة دخلت في اللغة الإنجليزية.

فما أهمية أن يكون لموظفي شركة أو مؤسسة هذا الأوتاكو؟

عندما زار الرئيس الأمريكي السابق جون كيندي وكالة ناسا سنة 1961، سأل الحارس هناك: ما وظيفتك؟ فرد عليه الحارس: وظيفتي إيصال الإنسان للقمر!

ذلك الرد ينم عن تشرّب هذا الحارس لهدفية ما هو مرتبط به “ناسا”، وما تود الوصول إليه. 

تلك العقلية هي التي تحقق الرؤية الجمعية المشتركة، وتجعل من كل فرد سفيراً فاعلاً مهما كان منصبه ومهمته للشركة التي يعمل فيها، فلا غرو إن قال “ريتشارد برانسون”، بأن العميل الأول الذي علينا الاهتمام به، هو الموظف.

فعندما “يحب” الموظف عمله، لن يقتصر على “أداء واجبه” فقط بل سيتقن في الأداء Gambaru. وعندما يشعر الموظف بأنه ليس “رقماً” في مؤسسته وإنما “وتد” فيها، سيدخل في مرحلة Otaku وهو الشغف الشديد بعمله.


إن وجود الأوتاكو بأي مكان، هو بمثابة وجود تيار كهربائي كبير، يسري في جسد وروح الموظف، لتنتقل عبر الخدمات والمنتجات التي يقدمها للجمهور، وذلك عبر طريقة الرد على الهاتف أو وضع البضاعة أو طريقة الاستقبال أو التعامل والعناية بالزبون بكل تفاصيل طلبه.

ذلك الشغف العفوي سيلقي بظلاله على تقديم أفضل الممارسات داخل المؤسسة وخارجها على حد سواء، ولا يمكن الحصول على هذا الإكسير في العمل إلا بوجود مُسبقات خماسية لا بد منها، وهي:

1. Cause معرفة الهدف

2. Clarity الوضوح في التقديم والتواصل 

3. Consistency الاتساق في العمل والاستدامة

4. Culture توليد ثقافة داخلية مُعاشة، تنعكس على الخارج بشكل آلي

5. Community إنشاء مجتمع، وهو ما يجعل الموظف كما الجمهور مدافعاً عن البراند، وهي آخر مرحلة من قُمع التسويق marketing funnel 


ويبدو أن الأوتاكو، لم يعد خياراً  لتلك الشركات او الجهات التي تود أن تترك بصمتها في حياة جمهورها المستهدف، لا بكونها تبيع منتجاً أو خدمة فقط، بل لكونها تشمل قيمة مضافة ومضرب مثل.


فذلك سيجعل نسيجها الداخلي أكثر ثقة وتماسكاً وحضوراً، وهو رأس مال مهم للمرور عند الأزمات.

فما مر به العالم في جائحة كورونا أعاد النظر لمفاهيم الفردانية ومركزية الفرد، ليكون للعمل الجماعي وكل المفاهيم المرتبطة المساندة في تعزيز الحضور الثقافي للبراند حاضرة ومطروحة على الطاولة للمعاينة، ومن بينها مفهوم الأوتاكو.


فالعاشق المهووس دافعه لذلك الارتباط هو الحب والعلاقة القوية مع ما يعشق “الشركة”، وبالتالي لا يضع الاحتمالات الرياضية البحتة نصب عينيه، وفي ذلك مصدر قوة للشركة/البراند، لأنها تريد فرداً من عائلتها يكون معها عند الشدة كما في أوقات الرخاء طبعاً، من ناحية المكافأة والتقدير والتشجيع والدعم.

وكما يقول الشاعر”وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ · وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساوِيا”


فالعاشق يرى صور محبوبه أينما ولى وجهه، فهل يا ترى نحن في عشق وشغف بالعمل؟ أو أننا حصرنا الأمر بالزمكان (عدد ساعات عمل محددة ومكان محدد للعمل)، وعند خروجنا من ذلك الوقت والمكان، تنقطع العلاقة معه؟

هناك فرق بين من يعشق ومن يكون ترساً في شركة، فالأول يرى الأمر حبًا وعطاء وتحدياً برغم كل الصعوبات وهذا طبيعي أن يكون في كل عمل، والآخر يراه تأدية لواجب ليس إلا في حده الأدنى على الأقل، للحصول على الراتب.


طبعاً لا يكون “الأوتاكو” مكتملاً إلا بثنائية متوقعة بين الشركة والموظف، فالتقدير والاهتمام والتشجيع والدعم والنقد البناء ووضوح الرؤية ووجود روح قيادية بالمؤسسة، تهيأ الأرضية بلا ريب لوجود الأوتاكو لكن لا تضمن نموّه، فهو في الأخير شأن ذاتي ينبع من داخل الموظف، فالعاشق لا يتمرّن على عشقه، بل يعطي دون حساب.

أتتخيل أن تعمل لأشهر معدودة دون مرتّب وتصبر على ذلك بسبب عشقك لعملك أو لقائدك؟

نعم هذا ما كان بالعمل مع المبدع القائد المرحوم موسى العالي، والذي عملتُ معه لأشهر عديدة دون مرتب، فقط لشغفي بالعمل ولإيماني بالهدف، وبسبب وجود قائد مُلهم مثله. طبعاً كانت الظروف المالية بسبب ملّاك الشركة، في حين كان موسى مديراً لها.

هذه صورة في قبال صور شتى نعيشها ونراها ونسمعها وتصلنا لبيئات عمل تشربّت الاتكالية والمحسوبية والفساد والطائفية والاستغلال، وغيرها من مُدمرات العمل المؤسساتي الصحي الأساسي، فكيف بما هو أكثر من ذلك، وهو مدار حديثنا؟


إنّ أكثر ما لدينا هو تشغيل تروس، وليس استثمار رؤوس في شركاتنا ومؤسساتنا وجهاتنا بكل صفاتها الاعتبارية.

نعم لدينا شيء ياباني حتماً وهو Muda  無駄، بمعنى الهدر في الطاقات والإمكانيات، على الأقل لدينا مصطلح ياباني مناسب لبعض ما لدينا إن لم يكن كثيره.


فالأوتاكو هو بذرة الإتقان وهو لدينا صورة عاشق في نصوصنا الدينية، ففي الحديث:

إن الله يحب إذا عمل أحداً منكم عملاً أن يُتقنه”، فتم ربط حب الله لعبده إن أتقن الأخير عمله، وأي عشق أكبر من هذا؟

وهنا الفرق بين أن يكون بمؤسستك رأس عاشق أو ترس موظف.

فالأوتاكو لها القدرة أن تعزز ثنائية الحضور للبراند داخل المؤسسة بين منتسبيها وخارجها بين جمهورها، إن تم فهمها وتوليدها بشكل صحيح ومتابعتها كأولوية، لأن أثرها لا يقتصر على الإنجاز والابتكار فقط، وإنما يمتد للصبر والدعم والنفس الطويل، وبهكذا تُبنى الشركات ذات الأثر العميق.