عنواني ما يكسر ظهري


عنواني ما يكسر ظهري
جعفر حمزة

(رن جرس الباب.. أهلاً وسهلاً.. شرفتم فيلامار.. كم أنا مشتاق لكم.. ما شاء الله لم تتغيروا كثيراً.. يبدو أن الراحة والطمأنينة جعلت صحتكم وكأنكم ما زلتم في العشرين من أعماركم.
محمد وين عنوانك؟ من أشهر عدة انتقلت إلى فيلا فاخرة في جزر أمواج.. ما عدت أحتمل التلوث في المحرق.
جاسم وين عنوانك؟ إن شاء الله الأسبوع المقبل تفضلوا على العشاء عندي في الرفاع فيوز.
راشد وين عنوانك؟ والله حالياً ساكن في فيلا بنيتها قبل عدة سنوات ولكن في أشهر سأنتقل إلى فيلا جديدة في درة البحرين، دعواتكم لنا.) (١)

تلك هي الصورة التي يرسمها الواقع السكني “المُعلن”، إذ يكفيك الإعلانات على مد البصر لمشاريع سكنية وعقارية تشعر معها بــ”غبطة الأسى”، إذ يُفرح البحريني أن يرى تلك المشاريع قائمة على أرضه، إلا أن الأسى يبقى المسيطر دائماً عند النظر إلى الفئة المستهدفة من تلك المشاريع، في حين أسقف بيوت الكثيرين ما زالت “خاشعة” تريد أن تركع أو تسجد على ساكنيها!

أصبحت لغة “الوردية السكنية” طافحة في كل مشروع عقاري تقريباً، حتى إنتهت عبارات “السكينة والرفاهية والتميز والرقي والفخامة و…..”، إنتهت كل تلك العبارات من قاموس اللغتين العربية واإنكليزية، لتبدأ حملة العناوين المركبة التي لا تنتهي.
ما يُقلق البحريني هو خطاب عقاري وآخر إعلاني، فالأول تتركز فيه رؤوس الأموال الضخمة في مشاريع عقارية للطبقة المرفهة و”المتروس جيبها” من بحرينيين وأجانب، والخطاب الإعلاني يعزز تلك الصورة من خلال إيحاءت صورية ولغوية يتم تركيبها لتأصيل خطاب “طبقي”من أجل عيون فئة قليلة، في حين تستمر تحركات المطالبة بوحدات سكنية هنا واعتصامات هناك، وترتفع وتيرة البحث عن مطلب طبيعي أصيل لكل مواطن بحريني في السكن على أرضه، وعند النظر للأرقام التي تتحدث عن حجم الأصول العقارية البالغة ٣٠ مليار دولار أمريكي من جهة، وفائض الموازنة للدولة بعد إرتفاع سعر النفط إلى ٩٠ دولاراً للبرميل، وهو ما يوفر ما قيمته مليار دولار سنوياً وهي التي تكفي لبناء أكثر من ٣٠ ألف وحدة سكنية من جهة أخرى.

يتبيّن من كل ذلك ضرورة وجود رؤية تنتهجها الحكومة والقطاع الخاص من خلال دعم المشاريع التي تقدم “التنفس الصناعي” لذوي الدخل المتوسط والمتدني، لكي تتم عملية التوازن التي إن فُقدت، فإن الأمن المجتمعي سيتعرّض للتهديد لا محالة في ظل هذا الواقع وهذا النوع من الخطاب والممارسة الإعلامية الشاحنة لذلك الذي شاب رأسه قبل أوانه للبحث عن حل سكني، في حين يرى الأرضٍ على مد البصر يتم تقديمها كقطع الكعك المحلاة مع الكريمة لفئة تبحث عن “التميّز” و”الرفاهية” و”الطمأنينة” في قبال فئات بدأت تتآكل من الداخل وهي مام الأمان في بقاء التوازن المجتمعي موجوداً، وهي الفئة المتوسطة الدخل.

ما هو موجود من مشاريع قد تم تقديمه بطريقة صورية إعلانية تُسهم في تعزيز الطبقية والشعور بها، ويبدو أن هذا السيناريو لم يكن المسيطر والسيد في معرض البحرين للدولي للعقارات “بايبكس 2007”، إذ تم تقديم مشاريع وحلول سكنية لذوي الدخل المتوسط، وهذا يمثل إنجازاً وخطوة للتخفيف من الهوّة المحتمل توسعها بين الطبقات في المجتمع.

ومن المُلفت للنظر-واعتقد أنها أول مرة في البحرين في المجال العقاري- أن ترى إعلانين لفئتين مختالفتين وتم استخدام نبرتين مختلفتين في تقديم خيار سكني و حل سكني. ففي مجلة “العقار” العدد ٢٩ ، وفي صفحتين متقابلتين -وكأنها تحكي الواقع- يتم تقديم خيار سكني يعتمد فيه على التميّز في الموقع مما يعكس نمط معيشة لطبقة معينة وهو مشروع “فيلا مار”، وفي الصفحة المقابلة يكون الحل السكني حاضراً من خلال مشروع “بوابة سار” لذوي الدخل المتوسط، وقليلة هي تلك المشاريع التي تقدم حلولاً سكنية لتلك الطبقة المحصورة بين خيارات سكنية لا يمكنها أن تأخذها.

فلم يكن لتلك المشاريع الوردية شريك، ومن حسن الحظ أن تكون هناك مشاريع تقدم الحلول بدل الخيارات بين “الرفاع فيوز” و”فيلا مار” و”أمواج” و”درة البحرين” والقائمة تطول، ليكون ما يبحث عنه المواطن البحريني هو مسكن قادر عليه يناسب حاله ويقدم له الجودة والمسكن الملائم له ولعائلته، ليقول على لسان الحال عند الحديث عن مسكنه القادر على امتلاكه وبملأ الفم:(عنواني ما يكسر ظهري).

(١) “عنواني فيلا مار”، إبراهيم بوجيري. الوقت، العدد 635