الإتقان، عندما يكون “مقدساً” “مُنتجاً”!


جعفر حمزة – مؤسس BOXOBIA 


شدّني حديثه الذي تناول بعمق حول “الهدفية” الدافعة، التاركة للأثر والصانعة للتغيير، سواء للمؤسسات أو الأفراد، من خلال دائرة ذهبية، نواتها “لماذا”، وتليها “كيف” وعلى سطحها “ماذا”..

 

في حين أن معظمنا يستغرق في كيف وماذا، تاركاً لماذا مخفية، إما لجهل في ادراك أهميتها، أو لصعوبة في القدرة على تقديمها والعمل عليها، وبالتالي أصبحت هذه “لماذا” عصية إلا على الذين آمنوا بها وأدركوها وعملوا بها، فخلدت أسمائهم، وبقيت آثارهم، وتُليت قصصهم.

 السيد Simon Sinek وأيقونته المعروفة بالبحث عن لماذا، والتي طرحها في كتابيه Start with Why و Find your Why، فضلاً عن محاضرته المشهورة على منصة TED، ومجمل من لقاءاته ومحاضراته التي تدور حول فلك الـ”لماذا”، وكيف السبيل لها وأهميتها، وادراك آليات العمل بها.

 

الدائرة الذهبية حول “لماذا”

 

من أجمل الكتب التي يُنصح بقرائتها والعمل بها

 

ويتقاطع ما يتناوله Sinek عن مفهوم الدائرة الذهبية لأهميتها في ثقافة المؤسسات كما الأفراد، لادراك البعد الأعمق للتميز فضلاً عن البقاء، مع ما يذكره السيد  Guy Kawasaki، مؤلف كتاب The Art of Start والذي يبحث عن الدافعية بمعنى آخر يسميه البحث عن المعنى Make Meaning  وهو ما يراه بأن كبرى الشركات تدور حول هذا المفهوم.




وقد كان ستيف جوبز من أبرز الذين عملوا على كلا المفهومين “لماذا” و”المعنى” بشكل ملموس، وقد بينها في خطابه الأخير بجامعة Stanford، ووصمها “بوصل النقاط”، ولا يكون هناك وصل إن غابت رؤية أو اُفتقد إيمان.

 

ثلاثية “لماذا” و”المعنى” و”النقاط”!

مشتركات هذه الثلاثية بين “البحث عن لماذا” و “إيجاد المعنى” و”وصل النقاط” برغم اختلاف مسمياتها وتنوع في آلياتها، هي في وضوح الدافعية وكمية الطاقة اللازمة للاستمرار في العمل عليها مهما كانت الصعوبات وتكالبت. فكلما ارتفع “المعنى” واتضحت “لماذا” بات أمر “وصل النقاط ممكناً وواضحاً”.

 

تعتمد تلك الثلاثية على القدرة الذاتية للإيمان العميق بالهدف لدرجة “الجنون”، إذ يغيب في كثير منها مسألة “الواقعية” أو ما يحلو للبعض تسميته بالتفكير المنطقي وبحث الاحتمالات، لأن هؤلاء المؤمنون بهدفهم، تبقى عيونهم وقلوبهم متعلقة بما يصبون إليه من “ثوابت”، وما عدا ذلك تكون “متغيرات” لديهم، يمكنهم العبور فوقها أو من تحتها أو حتى الإلتفاف عليها.

 

ومن يطلع على قصص الذين أحدثوا أثراً في حياة البشر يرى ذلك بجلاء فيما آمنوا به وفعلوه حتى الرمق الأخير، ولم يغادروا هذه الدنيا إلا وقد تركوا أثرهم حتى يومنا هذا. فمن فاطمة الفهري أول مؤسسة لجامعة نظامية في العالم بالمغرب العربي، مروراً بتوماس أديسون مخترع المصباح الكهربائي ووصولاً إلى آينشتاين صاحب النظرية النسبية وأخيراً وليس آخراً الأخوان رايت ونيسلون مانديلا ومارتن لوثر كنج وستيف جوبز، والقائمة طويلة. كل أولئك “آمنوا” بهدفهم وسعوا له حتى الرمق الأخير، لأنهم أدركوا أن حياتهم مرهونة بهذا الهدف لا سواه، فسخروا كل ما لديهم له، فظفروا بما أرادوا.


السيدة فاطمة الفهري، أول مؤسس لجامعة نظامية في العالم

 

 

دور المقدّس في التطور!

وعند النظر للثقافة الإسلامية المنتجة لعظماء ما زالت آثارهم باقية وخالدة إلى يومنا هذا، من قبيل الخوارزمي صاحب كتاب “الجبر  والمقابلة” ومؤسس الخوارزميات Logarithms التي تشكل الحمض النووي للحاسوب اليوم. وابن الهيثم مؤلف كتاب “المناظير” وتجاربه المبهرة في هذا المجال، وأول من نجح نقل صورة من الخارج إلى شاشة داخلية كما في الكاميرا المظلمة التي اشتقّ الغرب اسمها من الكلمة العربية: “قُمرة”، أي بمعنى “الغرفة المظلمة”، أي أنه مؤسس الكاميرا بفعله هذا.

وقِس على ذلك في علوم أخرى لا مجال لذكرها هنا.


وهذا يدفعنا للتأمل في “لماذا” و”معنى” و”وصل النقاط” عند العلماء المسلمين الأوائل، وما يمكن استنتاجه من الثقافة الإسلامية بهذا الخصوص، لندرك عمق ما لدينا، والتأمل فيها والعمل عليها، فهل هناك “مساحة فارغة” فعلاً تجعلنا لا نعيد النظر في تراثنا الإسلامي لندرك عمق “الدافعية” التي أنتجت لنا الخوارزمي وابن حيان وابن الهيثم والفهري وغيرهم؟

 

هناك آيات وأحاديث إن تمعنّا فيها، ستشكل خارطة طريق ملهمة إذا ما أردنا الحديث عن “المعنى” والـ”لماذا”، وهي على سبيل المثال لا الحصر:

“وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون”.

هنا لا تكون الهدفية ذاتية نابعة من الشخص بتفكير أرضي وبمعزل عن مدد سماوي، بل هي أصله ومنبته وأساس تكوينه، فكل ما يقوم به الفرد المسلم، هو محل نظر الله أولاً، وبالتالي يكون أفق العمل ذو بعد أوسع وتتهاوى مع هذا الإيمان كل العقبات الأرضية مهما كانت، لأن الهدف مرتبط بشيء أكبر بكثير، ويرى الفرد المؤمن بذلك بأن كل عقبة هي اختبار له وعلى إثرها يكون له ثواب وأجر. فتكون كل عقبة “رصيد” له في الآخرة، وكل نجاح يحققه هو “توفيق” من الله له.


وهنا تغيب الأنا ويتعزز المفهوم الأكبر والهدف الأعظم المرتبط بعنوان قرآني واضح ” هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا”(سورة هود)، ليكون هذا العمران في الأرض بأخذ أسبابه والعمل به، بل أن ذلك أمر بديهي، كون وجودنا في الأرض يلزمه استعمارنا فيها، بأخذ الأسباب، بالتالي يكون عمران هذه الأرض الهدف الأكبر للفرد المسلم، مع وجود مُقيّم للأمر برمته، وهو أن كل عمل لهذا العمران يكون تحت نظر الله تعالى.


الخوارزمي، الأب المؤسس للحاسوب بفضل خوارزمياته

 

هنا نتحدث عن “لماذا” و”معنى” واسعتان تتسمان بالقدرة الكبيرة على الابتكار والصبر والإنتاج واتساع الفائدة، لتشمل كل الناس على هذه الأرض.

 

يذكر Kawasaki أساسيات صناعة المعنى في التالي:

 

١. زيادة الجودة في الحياة، وذلك بجعل الناس أكثر إنتاجية، وجعل حياتهم أكثر سهولة

٢. أن تكون جزء من حل وليس من مشكلة، فابحث عن حلول دوماً

٣. المحافظة على الأمور الجيدة ، مثال المحافظة على الحيتان.

 

هذه الأسس مما يعمر الأرض ويدفع الإنسان للابتكار وتهيئة الأرض لتكون أفضل مكان للعيش.

 

ومن جانب آخر يدعم هذا المعنى زخماً نبوياً من خلال أحاديث نبوية كريمة تدلل على أهمية العمل، واعتباره “عبادة”، وهنا بيت القصيد، حيث يتحول العمل في ذاته إلى مفهوم عبادي حقيقي، وهذه من ضمن الـ ”لماذا” الكبرى أيضاً، ومكملة لـ”فهم المعنى وتكوينه” بلا ريب.

ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة”، وهذا من أجمل الأحاديث التي تزرع المعنى وتوسّع آفاقه، وتُأنسِن هدفيته بشكل إيجابي لا ريب فيه.


حيث يتحول العمل الذي يدر بالفائدة على الكائن الحي، وليس الإنسان فقط، إلى مفهوم عبادي بحت “الصدقة”، وهنا ضرب المثل بالزرع، ولا وقفية في المعنى هنا، بل الإطلاق في تعميم الفائدة والنفع هو المغزى والرسالة من الحديث، سواء كان في زرع أو ابتكار أو إنتاج معين تكون دائرة الفائدة تتعدى الاستخدام البشري إلى ما أكثر من ذلك. وهذا في حد ذاته مدعاة للتأمل والعمل بناء على هذا المفهوم الكوني العظيم في معنى العمل العبادي.

 

والملاحظ والمتابع لتاريخ النهضة الإسلامية سابقاً، يرى في كثير من الأدبيات والآثار، هذا المفهوم للاعتناء براحة الإنسان والاهتمام بالنبات والحيوان موجودة وبشكل ملفت للنظر والتأمل.




“الاتقان” و”حب الله”!

ولا يقتصر الأمر في المنظور الإسلامي بالحث على العمل فحسب، بل يتعمق بشكل رأسي فيه، ليطرح موضوع “الاتقان”.

فلئن كان تعميم الفائدة للناس والدواب والنبات عبادة، فإن الاتقان في العمل يحظى بدرجة أرقى، إذ أن الاتقان يستوجب “محبة الله”، ففي الحديث “إن الله يحب إذا عمل أحد منكم عملاً أن يُتقنه”. أي عظمة هذه التي تربط اتقان الفرد لعمله بمحبة الله له!


ونؤمن بأن الاتقان مجمع الحُب في الإسلام، فلا يُتقن من لا شغف له في عمله، فهو يحب عمله، ونتيجة ذلك الحب يستحصل محبة الله له التي تدفعه لحب أكبر للعمل والاتقان، وهكذا نكون في دائرة ذهبية من نوع آخر ولها امتداد سماوي عجيب. ففي المفاهيم المطروحة حالياً تعتمد على الدافعية الذاتية للفرد في مسألة الاتقان لأهداف أرضية بحتة، إنما في المنظور الإسلامي، فالدائرة تتسع ويكون لها بعد روحاني أكبر، تتعدى المقاسات الأرضية ، فيتحول الاتقان إلى سبب لحب الله للعبد.


حبك للعمل دافعك لاتقانه، والأخير يجلب حب الله لك، فتكون في حالة اتزان مثالية بين الرضى النفسي من باب Self Esteem وبين الرضى الروحاني ذو البعد العبادي Spirtual Satisfaction، وكلاهما يكملان الآخر ويدفعان بعضهما البعض لدوران لا ينتهي من حب العمل والاتقان فيه.


وهذه معادلة لا توجد في المفاهيم المطروحة حالياً، إذ تتسم بالكمال والتوازن المطلوب للإنسان.


طبعاً مصاديقها يمكن الرجوع لها للأوائل من علماء المسلمين الذين ضخوا المعرفة والابتكار في حقول متنوعة من العلوم الرياضية والعمران والزراعة والحيوان وغيرها الكثير.




العمارة الإسامية إحدى أبرز المصاديق الحية في الاتقان المتكامل والدقة المتناهية





ولئن افتقدنا مصاديق لها الآن، هذا لا يعني ضعفها، بل مدعاة للتفكر فيها بعمق، وتحويلها لمنهج حقيقي وعملي في حقل “التنمية الذاتية” و”إدارة الذات”، وما يتبعها ذلك من ابتكار آليات متنوعة للوصول لها.


فالاتقان يمثل قمة جبل الجليد الذي كونته الخبرة والشغف والتركيز والمعرفة. وهو أيضاً الشعلة التي تسري بقوة في كل خلايا الفنان أو الأديب أو المهندس أو العامل، فلا تهدأ حتى تظهر بنورها في العمل، وتبقى متوهجة تشع حرارتها دون توقف.


هذا الاتقان ليس له تاريخ انتهاء الصلاحية، بل له امتداد الأثر الذي يلهم على الدوام، فالإبداع إن لازمه الاتقان ثبُت، وامتد أثره وتوسّع إلهامه.


ونرى حديثاً آخر يدور أيضاً حول “محبة الله” في موضوع الاتقان أيضاً، إذ ورد “إن الله يحب العبد المحترف”. فلم هذه المحبة؟

لأن الشخص المتقن لعمله تعم فائدة عمله أبعاداً مختلفة، سواء للجهة أو الشخص المستفيد من هذا العمل المتقن، إذ يكون الاطمئنان بأن العمل المنجز متقن لا خلل فيه، وبالتالي تقليل نسبة التكاليف من عملية إصلاح أو استبدال، أي تقليل “المودا” Waste، الهدر. 


فضلاً عن أن الاتقان يضمن سير العمل بجودة أعلى إلى جانب كونه بذرة للابتكار والتطوير، وكل هذه المفاهيم تعزز الهدف الأعلى الذي ذكره القرآن، وهو استعمار الأرض وعمرانها.

 

 

مفهوم العلاقة الطردية للاتقان!

فلئن كانت مفاهيم “لماذا الكبرى” لـ Sinek و”صناعة المعنى” لـ Kawasaki  و”وصل النقاط” لـ Steve Jobs لها مكانتها وأهميتها وأثرها الجميل، فهي انعكاس لصورة أكمل يطرحها المنظور الإسلامي من القرآن والسنة النبوية من خلال ثنائية “الحب والعمران”، فدافع الفرد أن يعمر الأرض بحبه لعمله الموجب بشكل آلي لحب الله له،  فيكون قد جمع بين خطين، أحدهما أفقي ممتد لنشر الفائدة والخدمة لمن على الأرض “بشر، حيوان ونبات”، والآخر رأسي في علاقة مستمرة عنوانها حب الله. ويمكن تمثيل هذه العلاقة بشكل هندسي بسيط مجازي، ضمن علاقة طردية بين “اتقان العمل” و”حب الله”، فكلما زاد الاتقان كان أثره أكبر، وبالتالي ترجمة استعمار الأرض أكبر، والنتيجة حب الله أكبر.

 

هذه معادلة قلما نلتفت لها لنعمل على أساسها. وهنا مكمن عظيم لمفهوم العمل والاتقان الأرضي المرتبط بصلة سماوية، إذ يتحول العمل إلى عبادة والاتقان فيه موجب لمحبة الله!

 

 

 

 

 

 

 

 

عندها يكون الاتقان ليس مجرد أداة لرفع مستوى العمل في ذاته فحسب، بل تتسع دائرته لتصل إلى مفهوم مقدس أيضاً، فتقديس العمل كما هو حاصل في اليابان كمثال نتيجة مفاهيم اجتماعية، وقد وصل اليابانيون إلى مصاف المجتمعات المتقدمة، وعند النظر للمفهوم الإسلامي، فإن التقديس دافعه ديني وامتداده لا حدود لمساحته، فعندما يتحول العمل لعبادة والاتقان موجب لمحبة الله، عندها يتطور المجتمع وينمو وتعم فائدة الابتكار فيه لنفسه ولغيره من بقية المجتمعات.


وهذا هو المقدّس في ديننا والذي نحن بأمس الحاجة إليه، وافتقدناه لضياع المفاهيم بين ظهرانينا، ويمكن العودة له بتأصيله بشكل حقيقي ملموس، وانتخاب أفضل الأدوات للوصول له، عبر تعزيز ثقافة محبة العمل والاتقان فيه والسعي لاستخدام الأدوات الحديثة له كالـ”كايزن” لغاية الوصول للاتقان، بل وابتكار ما يُوصل لتلك النتيجة.

 

فعندما يكون العمل عبادة فتلك الـ”لماذا الكبرى”، وعندما يكون الاتقان موجباً لحب الله فذلك “صناعة المعنى”، وما بينهما يكون “وصل النقاط”.