محبو العفن


محبو العفن

جعفر حمزة
صحيفة التجارية

كانت البيئة مناسبة جداً ليتخذ من طعامي الذي نسيته على الطاولة بيتاً له، فالطعام مكشوف ومعرض للتيارات الهوائية، فضلاً عن قابلية كبيرة لتقبّل الزائر الذي لا مجال معه سوى أن يكون مصير طعامك سلة المهملات، ولا تجادل.
فالعفن ينتظر الفرصة المناسبة ليتكوّن على سطح الأطعمة المكشوفة ويتكاثر فيها بسرعة، ولا غرابة في إطلاق اسم “مستمعرة” عليه، فهو لا يتوانَ عن اقتناص الفرصة لينمو ويتكاثر.
ذكّرني هذا العفن ببعض الملفات الي كان لا بد من طرحها وتعريضها بشكل صحي تحت قبة البرلمان، لكي لا تنتشر بهدوء وترسم واقعاً لا يمكن الحديث عنه بالعلن.
ومن أهم الملفات التي تنخر في جسد هذا الوطن هو التمييز الوظيفي، والذي يعتمد في حركة التوظيف على نسب العائلة ومكانتها، فضلاً عن الإنتماء العرقي أو المذهبي والمناطقي، وقد ذكرت العديد من التقارير الدولية خطر هذا الملف وتداعياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البحرين، من ضمنها تقرير منظمة “إنترناشيونال كرايزز جروب” للعام ٢٠٠٥م. والذي نوّه إلى أهمية معالجة ما أسماه التقرير بـ “مأسسة التمييز”، والذي يتخذ أنماطاً متنوعة وواسعة تمتد لقطاعات مختلفة في جسم التوظيف بالبلاد.
وكان من المؤمل أن تتبنّى الكتل النيابية ملف “التمييز الوظيفي” الذي طرحته الوفاق تحت قبة البرلمان، إلا أن رفض تلك الكتل لطرح الملف عكس واقعاً خطراً يتبناه بعض“نواب الشعب”، ويُنذز بانتشار “رسمي” للعفن وتوسعة “مستعمرته”في كل ركن من هذا الوطن، الذي ينتظر أبنائه تسخير قدراتهم في القنوات الصحيحة والعادلة بعيداً عن كل الأسباب التي لا حول لهم ولا قوة عليها.
وعندما ينتشر العفن في الطعام، فلا مجال لتناوله ويكون مصيره القمامة، وعندما ينتشر “ التمييز الوظيفي” فإن المساحة الجيدة للعمل ستكون معدومة، ومن الجيد ذكر تبعات توسّع ذلك “العفن”:
- من أهم أسباب هجرة العقول والكوادر المؤهلة لخارج بلدانها، هو وجود التمييز الوظيفي في قطاع العمل، وهو استنزاف لطاقة متجددة تحتاجها البلدان في خضم تحديات العصر.
- تعزيز الغبن وغياب الإنصاف وزرع اليأس في الكوادر الوطنية المؤهلة، وانقلاب المعايير، وبالتالي البحث عن تلك المعايير الجديدة “التملق، الواسطة، الرشوة، إلخ” للحصول على وظيفة أو الوصول إلى مركز أو ترقية.
– التدني في مستوى الإنتاج المعرفي نتيجة وجود كوادر غير مؤهلة للمناصب التي يتولونها.
- تجذّر في شجرة الفساد الإداري والمالي في القطاعات المختلفة لاستمرار ذلك “العفن”، وبالتالي إستنزاف للموارد المالية و”تصريف” أصحاب المؤهلات إلى “الباب الخلفي”.
- استنزاف الجهد والوقت والمال من أجل “تمشية حال” من يحتلون المراكز الوظيفية، عبر دورات وسفرات ومزايا، وذلك من أجل “القيام على أرجلهم” وتسيير الأمور على أقل مستوى.
- تأصيل لعقلية خطرة في الجسم الطلابي كرؤية عند البحث عن عمل، وانعكاس ذلك في سير الدراسة والتخصص وبناء العلاقات.
ويبدو أن “تبعات” ذلك العفن من رائحة ومنظر، فضلاً عن الأمراض التي يجلبها معه لا تخفى على “نواب الشعب” الذين رفضوا وضع ذلك “العفن” تحت المجهر ومعالجته والحد منه، إذ يبدو أن البعض يستسيغ “مشاهدة العفن”!

وفي ظل المتغيرات المحلية والعالمية، والتي تسعى مملكة البحرين من ظلالها لوضع قدم ثابتة على خارطة الاقتصاد والإصلاح السياسي، وهي معادلة طبيعية إذا قرأنا المتغيرات والجهود التي تبذلها البلدان النامية والجارة فضلاً عن البلدان المتقدمة، كدولة الإمارات العربية المتحدة وماليزيا وسنغافورة وغيرها من البلدان التي تسعى إلى “تأسيس” اقتصاد ومجتمع معرفي يعتمد على الكوادر المؤهلة ليست الجيدة بل الممتازة، إذ لا يكفي الحديث و”التغنّي” بالتوصيات والخطب واللقاءات إن لم يكن هناك تشريع يتبعه تنفيذ عبر آليات تراقبها جهات مستقلة ومحايدة.
هناك قطيع إلكتروني متمثل في التحديات الاقتصادية والفكرية والمعرفية في عالم اليوم كما يقول “توماس فريدمان” في كتابه “السيارة لكزس وشجرة الزيتون ”، ولا يمكن الرهان على حصان “مريض” في سباق يضم خيولاً مدربة ومؤهلة وسريعة.
وفي حال استمرار وجود ذلك الحصان، فإننا سنخسر ورقة رابحة قد “تطير” إلى الخارج أو “تحترق” أو يصيبها “العفن”، وفي كل الأحوال فإن بعض“ ممثلي الشعب” هم المساهمون في توزيع ذلك العفن وتأصيله في الأجيال الحالية والمستقبلة.

وما رفض بعض الكتل النيابية لفتح ملف “التمييز الوظيفي” إلا دليل على عقلية لا تفقه القراءة الجيدة للمتغيرات الاقتصادية والمعرفية والتي يجب أن نضع البحرين على خارطة التميز، وتبعات تلك القراءة الناقصة هو انتشار ؛العفن” في كل الوطن.