إخراج الأمير من الغرفة المظلمة

 

تُطعم السماءُ الأرضَ بنماذج تُذكّر أهلها بمكانتهم التي يستحقونها من كرامة وعزة واستقلالية الإنسان المُستخلف في الأرض، المُستعمِر عليها بُنياناً وتطويراً ونشر عدالة وقسط.

تلك النماذج تكون الحُجّة من بين البشر، هي -أي النماذج- أُناس منّا وفينا، يعيشون ذات البيئة التي يخرجون من رحمها لأممهم وأقوامهم، ليعلنوها صراحة بأنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ما عليك إلا بناء تلك الإرادة للتغيير ليعمل قانون الجذب الكوني

Law of Attraction

، وتكون محلاً لنزول فيوضات السماء -وهي حاصل جمع الأسباب الأرضية مع الطاقة الكبرى للكون.
عليك أخذ أسباب الأرض بين يديك، ويكفيك النظر للمجتمعات التي ما إن تضع إرادتها للتغيير في أمر إلا وقد انجذبت لها دوائر التحسين والتطوير فيما يقومون به.

صنع الجاذبية

فالقدوة وجودها فطري ومهم، لرفع معيارية التغيير عند المجتمع، فلا يخلو أي مجتمع أكان متطوراً أم متخلفاً من اقتباس قيمة له من قدوة يضعه نصب عينيه ليكون المعيار الذي ينجذب إليه ويعمل له، بل لا تخلو أي مدينة بها عمق التغيير في التاريخ وبها مصاديق التغيير وإحداث الأثر من نموذج القدوة في تراث أو تمثال أو أسطورة أو قصة أو سلوك مقتبس أو عقل جمعي مُمارس.

ولا تخلو المجتمعات ذات الصبغة الدينية في انطلاقة حركتها من هذا المفهوم، وليس هي ببدع من ذلك كله، وإن اتخذت صفة القداسة في الأمر، إلا أن الثابت هو وجود تلك “المعيارية” الموضوعة، مع فارق جلي، وهي صفة الارتفاع في تلك القدوة، فيتم إسباغ صفات خاصة بها لا تكون في البشر عامة، من قبيل المعاجز والكرامات والحبوات الروحانية، ومع وجود تلك المعاجز في سير الأنبياء، وهم أعظم الرتب في مفهوم “القدوة”، إلا أن تلك القدرات تأتي في سياق تثبيت العدالة والكرامة للإنسان لا غير، تأتي كقدرة مساندة لرسالة النبي فيما يقوم به من تغيير اجتماعي يصطدم بكثير من الأحيان بل غالباً بتحجّر العقل الجمعي في بيئة النبي، مما يلزمه “صدمة” تُخرجهم من غرورهم الجماعي، وتُوقظهم من سبات تلك البرمجة فيهم، حالهم كمن كان في سُكر أو كالذي توقف قلبه، فتلزمه تلك الصدمة الكهربائية لاستنفار عضلات قلبه للحركة من جديد.

وتأخذ تلك المعاجز والكرامات محلها ك”صدمات” في المجتمع بحسب الموقف والسيناريو الذي يكون فيه النبي، والأمر منوط بالسماء في حكمة خروج تلك المعجزة في الوقت والمكان المناسبين. وعندما نعود للقرآن الكريم، يتضح أن اختيار نوع المعجز وإلى من يتم تقديمه ومتى وأين هو اختيار السماء عبر النبي أو الرسول الذي يعمل على تحقيق الرسالة الكونية الثابتة التي لا تتغير “الاستخلاف والاستعمار”، وهو ما يلزم مصارعة القوى الثلاث في كل مجتمع والتي تعتبر رسالة السماء تهديداً لمصالحها، وثالثة الأثافي هي:
المال والسياسة والدين. ونتيجتها “السُلطة”.

ما سر علي؟

ذلك في سير الأنبياء والرسل، فما خطب إنسان قدوة لكن ليس بالعادي وليس بنبي أيضاً؟
أين يمكن وضع هذا الأنموذج القدوة الذي يرتفع عن الإنسان العادي ويقل عن نبي؟ هو من سنخ روح النبوة ولا يأخذ عنوانها “يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي”.
ما سر هذا الإنجذاب لشخصية تربت على يد خاتم الأنبياء وحظيت باعتناء خاص وشديد لدرجة دفعت بعض صحابة الرسول للحديث عن هذا “الاستثناء” الذي يقدمه النبي لهذا الإنسان، وهو الإمام علي بن أبي طالب “عليه السلام” وهو ابن عم النبي الأكرم “ص”؟
نعتقد لأننا نرى الإنسان الكامل فيه دون أن يكون نبياً، أي أن السماء تقدم نسخة مطورة للإنسان غير الأنبياء.
ترى في علي الإنسان الكامل، الإنسان الجامع لقوس الله فيه باختلاف كل ألوان الطيف، وهو ما ندر أن يوجد في إنسان. فهو إنسان الحرب كأسد هزبر، وتكون شجاعته اللامعتادة عاملاً أساسياً في بقاء خاتم الرسالات “ضربة علي يوم الخندق تعادل عبادة الثقلين”، ويختصر النبي الأكرم موقف الإمام علي “ع” في تلك المعركة بأن يختصر فيه الدين كله “برز الإسلام كله للشرك كله”، وذلك في معركة الخندق حيث برز الإمام علي “ع” إلى عمرو بن ود بعد أن استعرض الأخير قواه ونادى بالمبارزة، وكانت نقطة التحول حينها في علي بعلم النبي.

فلا غرو أن ترى كل منصف يعشق هذا الإنسان، ولو لم يكن حتى مسلماً، فعلي تتكثّف فيه قيم الإنسان الكامل، ففيه الفارس البطل، وفيه العطوف على اليتامى، وفيه صاحب البلاغة، وفيه السياسي المحنك، وفيه المتصوف، وفيه الرجل العملي والحركي، هكذا إنسان جامع لمثل هذه الصفات، ينجذب إليه كل امرء على الفطرة ومنصف. لأن فيه “فطرة الله وصبغته” ومن أحسن من الله صبغة؟!

تحطيم ثالثة الأثافي

وكما هو محل جذب العاشقين للكمال، فهو مصدر تهديد لا يتوقف للمطففين في العدالة للإنسان، والمصادرين لكرامة بني آدم، والمتمصلحين من وراء كل حيف، وبانوا بروج الفراعنة والمستأثرون بثلاثية التحكم بالعقول في قواها المالية والسياسية والدينية.
فكان علي ظل للنبي، فهو فرع من أصل، كانا يدكّان عرش الهرم السلطوي المتحكم في المجتمع العربي حينها، فالقدرة المالية كانت في يد قريش، وكذلك السلطة الدينية والأمر سيان على السلطة السياسية. ورسالة النبي الأكرم كانت تشكل ثورة تزلزل ذلك الهرم من أساسه، فالمساواة المجتمعية بين الفقير والغني معناه تقويض هيبة التسلسل في القوة عند قريش، والتبشير بدين جديد مخالف لدين القبائل العربية حينها يعني طي صفحة التربع في مركز السلطة الدينية وما يتبعها من قوة مالية واجتماعية.
وكما قوّض النبي ثلاثية السلطة في قريش “المال والدين والسياسة”، فقد واصل تلميذه المنتجب الإمام علي “ع” تلك السيرة، ودفع فاتورة حقد طويلة لا تنتهي إثر قتاله ذلك الثالوث، فكان الإنتقام من تلميذ النبي بسبب قتاله لبرجوازي قريش وأعمدة سلطتها العسكرية فيها، ومع غَلَبة الإسلام، إلا أن كثير من النفوس لا تغفر وترى في علي “قاتل” لأهلها، فكان التخطيط يمضي على قدم وساق للتخلص منه، ولا أدل على ذلك من خطابات أعدائه والتصريح بدوافعهم، والتحشيد لإنهاء حياته. ويمكن العودة للتاريخ لمعرفة موقف معاوية بن أبي سفيان من الإمام علي “ع” وتخطيط قتلة الإمام له.

ولم يقتصر الأمر على تصفية علي جسدياً، فهو أكبر من ذلك، إذ أنه مشروع حياة، يمتد في نسله وأتباعه ومريديه، لذا كان سبه على المنابر ممتداً لثمانين عاماً ليرضع على ذلك الصغير ويشيب عليه الكبير، أي أن هناك غسيل دماغ جمعي تجاه صنو النبي وتلميذه الأنجب بطريقة مكثفة تم استخدام قدرات الدولة الأموية في أجهزتها الإعلامية وتسخير بيت مال المسلمين لذلك، فضلاً عن العمل الدؤوب من أجهزة المخابرات والشَرَطة، واختلاق النصوص الدينية وتشويهها وتطويعها من قبل أجهزة السلطة الدينية المتمثلة في وعاظ السلاطين والمناهج الدراسية وخطباء الجمعة. كل ذلك لتشويه سمعة هذا الإنسان ومحاربة منهجه في العدالة الاجتماعية قدر المستطاع.

حرب بالوكالة
ورفع السقف

نتحدث عن صراع قيم لا ينتهي، صراع الحرية والعدالة وكرامة الإنسان بتجرّد عن الإنتماء القبلي والسياسي في قبال منهج قبلي لم يستطع الإسلام تنظيفه من عقول كثير ممن دخلوا الإسلام دون قناعة أو دون فهم، بل جعلوا الإسلام مطية لمصالحهم بعد أن بزغ نوره وبسط حضوره في ربوع الصحراء العربية وما بعدها، لإنسانيته التي كانت المغناطيس الأكبر للناس ليدخلوا فيه طواعية.

لم يكن بالإمكان محاربة قيم النبي الخاتم جهاراً، فكان علي محل الضربات والطعنات والهجوم والتشويه والتهميش، ويعلم أعدائه قبل أصدقائه بأنه امتداد لخط النبوة فيه كمثل هارون من موسى. لذلك رأت السلطات المتكونة بعد رحيل النبي وظهور تطرفها الواضح في جماعات “تكفيرية” والمتمثلة حينها في “الخوارج” فضلاً عن بروزها بصورة أكبر في سياسة دولة بأكملها، كما الأمر في الدولة الأموية.

إن مشكلة علي “ع” هو أنه رفع سقف التوقعات للناس عندما كان عليهم حاكماً وحقق ذلك وأكثر، مما يُحرج أي حكومة أو سلطة تأتي بعده ولا تفي ببعض حكومة علي المثالية الواقعية، في التعامل مع المعارضين، مع الولاة وممثلي الحكومة في مختلف الأقطار، ومع سياسة توزيع الثروة، والتعامل مع الأقليات، ومنهج تطوير الأرض واستثمارها، والإبداع في النظم الاجتماعية، وسياسة إصلاح السجون وتعزيز حقوق الإنسان وغيرها من عناوين عمل علي “ع” فيها ما أسعفه الزمن، والذي كان العدو الألد لمناوئيه، فكلما طالت تجربة علي ع” وحكومته، فإن سقف التوقعات يرتفع أكثر وأكثر، وهو ما لا قدرة لأي سلطة “برجوازية” ومصالحية ومتشددة دينياً أن تقوم به، فكان الأجدر التخلص من هذه التجربة لكي لا يستمر ارتفاع سقف التوقعات وتحقيقها بيد علي.
قد كان الخطر الأكبر من علي هو ذلك الرفع للسقف والذي لا يستطيع كثيرون ممن يمسك السلطة أن يصل إلى عُشرها فضلاً عن نصفها أو كلها.

علي، وقفٌ للإنسانية

إنّ أكبر ظلامة لصنو النبي وخليفته وابن عمه وتلميذه الأنجب والأقرب هو أن نحصره لطائفة دون أخرى، أو لمدرسة دينية دون غيرها. تلك الظلامة يشترك فيها اثنان، أولئك الذين “يحتكرون” علياً لهم بنسب أنفسهم إليه اسماً لأنهم يؤمنون بخلافته المباشرة بعد النبي “ص”، وأولئك الذين “يتركون” علياً لأن الفريق الأول قد رفع رايته باسمه.
فعلي لا يُحتكر كما أنه لا يُترك، تلك الثنائية الغريبة التي تحوّل علياً إلى أيقونة تميز بين مدرسة فكرية وأخرى ضمن دين واحد، ففي حين ينبغي أن يكون علياً لكل البشرية، تم حصره في الإسلام عامة وفي مذهب التشيع خاصة، مما يجعل الإنسانية أن تسأل من احتكره أو همّشه ونساه: أنّى لكم الحق في “تغييب” عليٍ عن المجتمع البشري ككل؟
كل أنموذج يقدم للإنسان قيمة مضافة يكون مُلكاً مشاعاً لكل العالم دون استثناء، فنرى مقولات غاندي ومانديلا وتيريزا وغيفارا وآينشتاين وغيرهم مشاع في كل العالم، في حين نرى أن الأمر يتوقف وتتعطل تلك المعادلة عند علي “ع”، وتلك ظلامة كبيرة للمجتمع الإنساني عندما لا يعرف علياً في منهجه السياسي -بالرغم من اتخاذ وصيته لمالك الأشتر كميثاق عالمي وأنموذج جميل ودقيق لحقوق الشعوب والأقليات-، وعندما لا يُعرف علياً في منهجه الأخلاقي، ولا يُعرف في منهجه الاجتماعي والإصلاحي والعرفاني والبطولي والعلمي والروحاني، وغيرها من جوانب شخصيته، والتي إن تم تسليط الضوء عليها كان شحيحاً، وإن برز بدا متواضعاً، وإن خرج كان وقفاً على لغة واحدة لا غير. من يظن أن علياً للشيعة فقط، فقد ظلم نفسه بحرمانها من علي، فعلي للإنسان أياً كان دينه ومجتمعه وتوجهه.

ومن أجمل ما يمكن أن يوصف هذه الحالة، ما قاله الشاعر المسيحي “بولس سلامة”:
لا تقل شيعة هواة علي ..إن كل منصف شيعياً.
هو فخر التاريخ لا فخر شعب ..يصطفيه ويدعيه ولياً.

ونقول “أن كل منصف هو شيعي لعلي، وليس كل شيعي هو منصف لعلي”

ونهمس بجرأة الأخ الناصح لكل شيعي بمعناه العرفي الموجود: نَسَبك الشيعي ليس شفيعاً أو طوق نجاة وليس خارطة طريق بناءة ما دمت تحتكر علياً لنفسك، لأن ذلك قمة الأنانية، وهي القيمة التي لا يرتضيها علي لمتبعيه ومريديه ومحبيه و”شيعته”.

وكما نهمس بقلب المحب الشفيق لغير الشيعي “العُرفي”: لا تخسرنّ علياً بسبب أن غيرك رفع اسمه هوية له وأعلنها جهاراً. أليس الحكمة ضالة المؤمن، ومن أولى أن تجد الحكمة فيمن علّمه النبي ألف باب من العلم، ومن كل باب فيه ألف باب من العلم؟

أي عاقل يترك بئر المعرفة هذا؟

صلب علي بين شيعي وسني

هناك من يحتكر علياً لنفسه وكأن لديه “صك أمان” ويسبغ على نفسه هالة الاتباع وضريبة ذلك وبرمجة جماعية عليه دون الفهم العميق المميز لمنهج علي “ع”، منهج “لا تكن صلباً فتُكسر ولا تكن ليناً فتُعصر”، ومنهج “أعينوني بصبر واجتهاد وعفة وسداد” وسبيل “وعليكم بنظم أموركم”، هذا فضلاً عن سيرته النبيلة في تطوير المجتمع الإسلامي مهما كان موقعه السياسي، عبر نصح الخليفة وصد المظالم ونشر ثقافة الإسلام الأصيل بتعزيز كرامة الإنسان ورفع شأنه، وذلك عبر شعاره الكوني “الناس صنفان، إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق”.

لا نود أن نصلب علياً على خشبة معرفتنا الأنانية تارة أو من جهل ابتعادنا عنه تارة أخرى.

كيف لشخصية لصيقة وظل للنبي محمد “ص” تكون هي الفارق الأعظم بين المسلمين؟ بين شيعة وسنة؟!

بدل أن يكون بقاءه مُلهماً للجميع، سني شيعي، زيدي، أباظي، سلفي ، إلخ من قائمة من يود الحكمة ويبحث عن مظانها. أبعدنا علياً كأنموذج حي للحكمة والتغيير وسياسة الإصلاح وهو أنجب تلامذة الرسول “ص” والمسموع رأيه ونصحه ومشورته من قبل الخلفاء كأبي بكر وعمر، ومقولة الخليفة الثاني معروفة في حقه “لولا علي لهلك عمر”. في دلالة على تواصل بينهما ونصح واستماع من أجل هيبة الدولة الإسلامية الغضة آنذاك، ولم يغفل علياً ذكر ما يراه حقاً له في الخلافة في أكثر من موقع، ومع ذلك، يكون الناصح الذي لا يتردد في تقديم رأيه للخليفة الرسمي في زمانه.

فيتحدث عن حقه ويحافظ على بيضة الإسلام بتواجده المنتج للدولة آنذاك، فلم يعتزل العمل السياسي يوماً، فمنهجه إصلاح الإنسان أينما كان، ولم يتوقف عن ذلك يوماً، مذ فتح عينيه في بيت الله مروراً بصحبة النبي كظله إلى أن انتقل للرفيق الأعلى في بيت من بيوت الله أيضاً، وكأنه يُكمل دائرة العطاء المتفرد منه لهذه الدنيا، من نقطة مقدسة ويُنهييها في نقطة مقدسة أخرى، وما بينهما
نظلم أنفسنا بظلمنا لعلي إذا احتكرناه في صندوق الإنتماء المذهبي، ونظلم أنفسنا أكثر إذا ما زهدنا فيه والأخذ بمنهجه ورأيه وأسلوب تفكيره.

علي محاصر في غرفنا المظلمة!

يلزمنا الخروج من الغرفة المظلمة التي حصرنا علياً فيها؟غرفة الأنا التي نقرأ علياً من خلالها، ولا نقرأ علياً لها، وشتّان بين الأمرين.

إن الأمة التي لا تُحيي عظمائها عبر ذكرهم ونشر قيمهم، هي أمة فقيرة بِحُمق.
كقوم على نفط، يأخذون ما يتسرّب منه لحاجاتهم البدائية، دون استثمار حقيقي له عبر التنقيب عنه والصناعة منه والتجارة فيه.

عليٌ ترجمان لخط الله على الأرض، وهو الخرّيج الأول لمدرسة النبي وتربيته، فلا غرو أن يكون فيه فيض من عبق النبي وسبيله.
والمسلم الحكيم من يتلمّس الأقرب فالأقرب من منهج خاتم المرسلين “ص”، والعاقل من يرى ويقرأ ويفكر بأي منهج يفكر علي، وأي عطاء قدمه، بل كيف نوظف كل ذلك لمصلحة تنمية المجتمع وتطوره.

فلنقرأ علياً في منهج حكمه ورسالته لمالك الأشتر، والتي اُعتبرت منهجاً ووثيقة للدولة العادلة والحكيمة، ولنقرأ علياً في زهده ومناجاته، ونطلع على معاني وعمق دعاء كميل المُبهر لغة ورسالة وجمالاً، وفي سياسته الاقتصادية وهو القائل “ما جاع فقير إلا بما مُتّع به غني”، ولنقرأ علياً في بطولته وسياسته الحربية، فهو المحارب الجسور والإنسان الرؤوف.
لنقرأ علياً كما اطلع عليه “جورج جرداق” المسيحي، لنقرأ علياً كما رآه العقاد السني، لنقرأ علياً كما تعمّق فيه شريعتي الشيعي، لنقرأ علياً بتجرّد عن كل أوزاننا التي تجعلنا نتثاقل إلى الأرض بعيداً عن فهم علي واستثمار فكره ومنهجه في حياتنا اليوم.

وما علي إلا ظل للنبي، وامتداد حقيقي لمنهجه في السلم والحرب، في نصحه للصحابة ومساندته بالتصويب للخلفاء، لأنه ينظر بعين الله، وعين الحكيم المهتم بالمصلحة العليا للأمة لا للشخص.

عليٌ أسكنّاه في غرفة مُظلمة، معنونة بالتشيع تارة وبالتسنن تارة أخرى، علينا إخراجه منها، لنعرفه أكثر ونستلهم منه..

وطالما عرفناً علياً، فإننا نفتح الأبواب على مناهج وعلوم لم ندركها من قبل
“علمني رسول الله ألف باب من العلم، يفتح من كل باب ألف باب ممن العلم”.
وأي حظوة لمجتمع مُكتنَزٌ فيه شخص كعلي، وهو الأولى بدراسته وفهمه وتقديره وتطبيق رؤاه؟

وما كل ذلك إلا ترجمان للنبي في رسالته.