عندما نتنفّس التصميم … قراءة في جمالية مونوغرافيا كتاب مايكل بيريت

 

“التصميم لا يعيش على الهامش أبداً، بل هو من صميم حياتنا، لذا نميل له ونعشقه ونتذوقه فطرياً، ولا تخلو حضارة أو ثقافة أو حتى مجتمع بدائي من هذه الذائقة البصرية بدرجة أو بأخرى”

تلك مقولةٌ ابتكرتها بعد تَنّفسّي لكتابٍ قد أبخستُ حقه في الإهتمام، حتى جاء وقت إلتهامه بالكامل، فالكتبَ أبوابٌ لعوالم تستحق خوض غمارها، وتأتي بثمارٍ تزيد حياتك جمالاً وألقاً وتترك بذورها لاستمرار ذلك الجمال فيك ليتكوّن لها معنىً وقيمة.

قد يظنُّ الكثير ممن ليس في عالم التصميم خصوصاً أن مخرجات التصميم هي “مُكمّلات” ليس إلا، بل يعتبرها البعض أمر التصميم هامشياً، يمكن الإبحار فيه ما دامت لديك أدوات التصميم.. ولكن .. هل كل من يملك صنارة يعرف الصيد؟!

يأخذك هذا الكتاب الأبيض الضخم بجثته الورقية وغناه المعرفي عبر مونوغرافيا جميلة للكاتب مايكل بيرو* مختزلاً عقوداً من العمل والشغف في مجال التصميم، واضعاً تجاربه عبر سرد عفوي بسيط لكنه عميق لتكوين الهويات البصرية لمشاريع تنوعت بين متاحف ومكتبات وصحف وخطوط طيران ومجلات وأطعمة وغيرها..

ويحمل الكتاب عنواناً جذاباً..

How to use graphic design to sell things, explain things, make things look better, make people laugh, make people cry and (every once in a while) change the world.

برغم طول العنوان إلا أنه يحكي قصصاً وتحدياتً لا بد لك من سؤال نفسك، وهل للتصميم كل هذه القدرة؟

الكتاب خلاصة تجربة مصمم مخضرم، ترك بصماته على مشاريع عدة ما زالت قائمة، وصاحب فكر متقد تميز بالإبداع والبساطة والشغف الدائم لتقديم الجديد، فأصبح كل مشروع له تحدٍّ وتجربة..

يضع سنيّه التي تزيد عن الخمس والثلاثون بالتصميم في هذا الكتاب، مستعرضاً في كل مشروع تحدياته وحلوله ونتائجه، بشكل بسيط ومركز ذكي.

يتميز الكتاب بعنونة فهارسه التي تشدك، فلكل مشروع حكاية تُلهم، وعنوان يحمل رسالة ليأخذ بك إلى روح المشروع، تحدياته وما يمكن الخروج منه، لتقديم حلول ليست مقتصرة على الحضور البصري في الشعار فقط، بل في ما يسمونه بتجربة المستخدم User Experiance بحيث يتغلغل التصميم إلى تفاصيل المشروع لِيهبَهُ الشخصية المتفردة ويكون بمثابة خيط السبحة التي تمسك حبّات المشروع وتهبه معنىً وجمالاً.

ما يقدمه الكتاب ليس استعراضاً لهويات بصرية فقط، بل أعمق من ذلك بكثير، إذ يأخذك الكاتب في رحلة تختزل أسلوب تفكير، وعمل جماعي، وأناة طويلة في تكوين الفكرة، وفهم واضح لهدف المشروع، ومقاربة إيجابية لكل التفاصيل لتكون المادة الغذائية الدسمة التي تُلهم المصمم وتهبه لحظة الـ AHA، فتُولد الفكرة.

ما يمكنني قوله بعد اطلاع على عدة فيديوهات للمؤلف، فضلاً عن كتابه هذا، بأن منهج البساطة الذكية تميزه، فأعقد الأمور أبسطها، إذ أن اختزال فكرة هوية المشروع وابتكار ذلك الامتداد البصري الذي يُلقي بظلاله على كل مصاديق المشروع، من أصغرها لأكبرها كتطبيقات Brand Identity Aplications إلى ما هو أعمق من ذلك بجعل الهوية ذات عمق وقدرة لتشكّل تجربة للمستخدم User Experiance، وهناك أمثلة جميلة طرحها الكاتب ضمن عمله في أكثر من مشروع تم ذكره بالكتاب.

Design is not just what it looks like and feels like. Design is how it works

 

Steve jobs

فالتصميم لا يقدّم المظهر فحسب، بل يتغلغل في أعماق المكان والزمان ضمن تجربة للمستخدم، لترك ذلك الانطباع العميق وتكوين تلك العلاقة الشرطية بين الهوية وقيمتها، ولا يتأتّى ذلك إلا من خلال فهم ذكي وإحاطة عامة بالمشروع، لتتولد منه الهوية البصرية وهي قطعة من صورة كبرى تتشارك بها الثقافة الداخلية والرؤية العملية وغيرها لصنع ذلك الوجود الذهني للهوية عند الجمهور.

ما شدّني لهذا الكتاب في محتواه هو ذلك الشغف في فهم كل مشروع وتقديمه بشكل مبسّط لتظن أن الأمر لا يستحق كيل هذا المدح للكتاب ومؤلفه.. رويدك، فعندما تقرأ بتأنٍّ، ترى أن هذه البساطة التي تخدعك بسهولتها، هي نتاج عملية متواصلة من التجربة ومقاربة لسلوك الجمهور، ودراسة لكل تفاصيل المشروع، فيشكل عبر تصميمه ابتكار التجربة المطلوبة للهوية.

التصميم جزء من الحياة بل هو أصلها، فكل هذا النَسق المتزن، والجمال المُتقن والإنسيابية الفتّانة في الطبيعة وفي أنفسنا من تكوين جسماني يشكل فينا تلك الجاذبية الفطرية نحو التصميم الذي نسعى له بقصد أو بغير قصد، فالتصميم الذي يقدم قيمة مضافة لتجربة الجمهور لدى تفاعلهم في مكتبة أو مطعم أو محل ملابس أو صحيفة وعدّد ما شئت، هو التاركُ للأثر، ومرآة للتصميم الفطري الذي ننجذب له لا شعورياً.

التصميم الفعال الذي يملك القدرة على رسم حكاية تفاعل لدى الجمهور، لإيصال رسالة وتسهيل مهمة ورسم طريق ورفع ذائقة.

عندما نُدرك حقيقة هذا الأمر من خلال استعراض تجارب لمصممين أحدثوا الأثر مثل صاحب هذا الكتاب، حينها نعلم بأن التصميم له القدرة بأن يقدم لنا مساحة أكبر لفهم ما حولنا، لنتفاعل، لنجعل من كل ما ننتجه ونستهلكه ونراه حيّاً في معناه وقيمته ويعزز المفاهيم التي نؤمن بها لتكون على مدار تحركنا أينما ولينا وجوهنا، ونزداد إيجابياً من المخزون البصري اليومي.

ما نحن بحاجة إليه هو إدراك حقيقي لدور التصميم وقدرته على تكوين تواصل فعال حاملاً بين جنبيه القيم والرسائل والأفكار لا لأجل تقديمها فقط، بل لجعلها مصدر إلهام وتفاعل وكتابة حكاية بين القيمة والإنسان.

يقدّم الكتاب خلاصة تجربة مصمم محنك، ويقع في ٣٠٠ صفحة تقريباً من الحجم الكبير.

كتاب ثري بصرياً وفكرياً، وأعتبره مصدر إلهام عميق للفنانين والمصممين والطلاب ، وكل مهتم بديناميكة الصور والكلمة والأفكار، لتتشابك معاً مُكونّة نغييراً تفاعلياً ذكياً.

 

 

 

صوتية المقال

https://soundcloud.com/user-320829305/cwwogzzqby9k

  • كلمة للمؤلف في TED
https://www.youtube.com/watch?v=YsA_JTeHJ6A