الولايات المتحدة البحرينية

الولايات المتحدة البحرينية

جعفر حمزة

جريدة التجارية، ٢٣ فبراير ٢٠٠٨
سياتل، واشنطن دي سي وميامي، كانت تلك بعض الولايات التي زرتها قبل عدة سنوات وقابلنا فيها صانعو القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي فيها، ولكل ولاية نكهتها الخاصة وعالمها الخاص، وكأنك تزور بلداً مختلفاً في كل ولاية، ولا يخطر على بالك أنها تحت مظلة سلطة حكومة مركزية واحدة. تراءت في خاطري تلك الولايات المختلفة حين قرائتي للخطوة الجريئة والصريحة التي اتخذها الشيخ سلمان بن حمد رئيس مجلس التنمية الاقتصادية، عندما تناول تباطيء بعض الجهات الحكومية والوزارات في التفاعل المطلوب مع رؤية المجلس الاقتصادية الهادفة إلى وضع البحرين في سكة التغيرات الاقتصادية في المنطقة والعالم، وما يتبع ذلك من وضع سياسات لرفع المستوى الاقتصادي للبلد ونتاج ذلك معيشياً ومعرفياً. وأما وجه الشبه بين تلك الولايات الأمريكية والوزارات الحكومية، فهي الاستقلالية التي تتبعها الوزارات، وكأن لها “حكم ذاتي” خاص بها في المنهجية والآليات المستخدمة في ترجمة تلك الرؤية بعيداً عن الجهة الوطنية صاحبة الرؤية الاقتصادية المنظمة وهو مجلس التنمية الاقتصادية. إنّ الدول التي تريد أن تبقى على الخارطة الاقتصادية العالمية عليها وضع القناة المناسبة لقيادة الصفوف الداخلية من أدوات تملكها الدولة متمثلة في الوزارات والجهات ذات العلاقة المباشرة بالحكومة، فضلاً عن القطاع الخاص والمؤسسات المتوسطة والصغيرة “إس إم إي” ، وذلك من أجل تركيز الجهود ووضعها في المكان الصحيح ضمن منظومة تلعب فيها كل جهة دورها المناسب دون التمدد على المساحات الأخرى أو الإنكماش على الداخل، وتلك معادلة صعبة في الغالب الأعم، وتكون أكثر صعوبة بل وتصل إلى مرحلة “التعقيد” والضبابية المركبة في التعامل، عندما تتبع بعض الجهات سياسة “الولايات المتحدة المستقلة” في المضي قدماً بناءً على رؤيتها الخاصة وآلياتها الموسومة باسمها الخاص، لا باسم الرؤية العامة للدولة. ونعتقد بأن تناول الصحف في الصفحات الأولى الرسائل المتبادلة بين رئيس مجلس التنمية الاقتصادية الشيخ سلمان بن حمد وعاهل البلاد الملك حمد يوحي بأكثر من دلالة لا تخفى على المراقب الاقتصادي، حيث يمكن الوصول إلى نتيجة المراسلة بين ولي العهد وعاهل البلاد عبر تقديم البنود التشريعية الخاصة بتنظيم العلاقة بين المجلس والوزارات والهيئات الحكومية والتي أصدرها عاهل البلاد بعد ذلك من دون وضع المراسلات على صفحات الصحف، إلا أن الحكمة من ذلك أمور عديدة، منها الجهر بصوت صريح وشفاف والإشارة الواقعية إلى”الولايات”-آقصد الوزارات- التي أحاطت نفسها بهالة من البيروقراطية رافعة علم السلحفاة على مكاتبها، تلك الوزارات التي تمثل العقبات في سبيل لا مجال في ظل التغيرات بالمنطقة والعالم إلا الأخذ به، وهو سبيل الشفافية والتغيير من الداخل ووضع كل الوزارات والجهات الحكومية والقوى الاقتصادية تحت مظلة واحدة ورؤية واحدة تقودها راية واحدة، فلا مجال لتعدد الرايات بعد الآن. لقد تعامل المجلس في الفترة الأخيرة قبل أن “يطفح الكيل” مع بعض الجهات الحكومية وكأنها جزر متفرقة يصعب الوصول إليها، جزر تكوّن أرخبيل لم يستطع المجلس أن يفك طلاسمه، وكأن تياراً معارضاً يقود تلك الجزر في قبال ما يقوم به المجلس. لقد وصلت الأمور إلى حد لابد من إيقاف من يضع العصا في العجلة وذلك من خلال خطوتين هما الرفع و الدفع، تتمثل الأولى في مراجعة أصحاب المناصب ممن يتبعون سياسة السلحفاة الصماء، وذلك عبر ضمان ربط الجهات التي يتولونها برؤية موحدة تحت نظر مجلس التنمية الاقتصادية، وتوظيف الآليات المناسبة لترجمة تلك الرؤية. والثانية هي الدفع وقد اتخذها المجلس كخطوة صريحة نتجت عنها إصدار التشريعات والخطوات العملية لتفعيل خطط المجلس. بين تلك الخطوتين التي ستحد من طول أذرع بعض الوزارات، لابد من الوصول إلى “مأسسة” الرؤية الاقتصادية للبلاد، بدلاً من وجود ربانين في سفينة واحدة، وتداعيات ذلك في هدر الجهود والأموال وانعكاس ذلك على الوضع المعيشي للمواطن ومركز البحرين الاقتصادي. وعلى اعتبار أن الخطوة العملية الأولى أتت من خلال بنود نظيمية للعلاقة بين المجلس والجهات الحكومية الأخرى، إلا أن ذلك هو نصف الحل، والنصف الثاني يتمثل في المصارحة والقراءة الجريئة لواقع بعض الوزارات من قمة رأسها إلى أخمص قدمها، والتي تمثل ولايات مستقلة وجزر متفرقة، ويتمثل ذلك عبر مكافحة الفساد والتمييز الوظيفي الذي يخلق حالة من الحكم الذاتي والاستقلال السلبي للوزارات، وبالتالي ابتعادها عن الرؤية الموحدة لما فيه مصلحة الوطن والمواطن ولئن كانت سياتل وواشنطن دي سي وميامي ولايات قائمة بذاتها إلا أن ما يجمعها دستور واحد ورؤية واحدة ضمن نطاق دولة واحدة، ونرى أن بعض الوزارات أخذت بتكوين “دولتها” الخاصة كرؤية وهدف بعيداً عن الرؤية الاقتصادية الموحدّة للوطن. فشتان بين ولاية وولاية.